مجلة منظمة الصحة العالمية

تنظيم الأسرة في المناطق الواقعة جنوب الصحراء الأفريقية: تقدم أم ركود؟

John G Cleland a, Robert P Ndugwa a & Eliya M Zulu b

a. Department for Population Studies, London School of Hygiene & Tropical Medicine, Keppel Street, London, WC1E 7HT, England.
b. African Institute for Development Policy, Nairobi, Kenya.

المراسلة مع John G. Cleland (البريد الإلكتروني: john.cleland@lshtm.ac.uk).

(تقديم البحث: 22 آذار/مارس 2010 - استلام النسخة المدققة: 22 تشرين الأول/أكتوبر 2010 - القبول: 2 تشرين الثاني/نوفمبر 2010 - النشر على الإنترنت: 4 تشرين الثاني/نوفمبر 2010)

منظمة الصحة العالمية 2011;89:137-143. doi: 10.2471/BLT.10.077925

المقدمة

الخصوبة والنمو السكاني المتوقع في المستقبل هما أعلى في أفريقيا جنوبي الصحراء من أي إقليم آخر في العالم، وقد تباطأ انخفاض معدلات الولادات، وهو متواضع أصلاً، أكثر فأكثر خلال العقد الماضي.)(1-3) وكانت المخاوف من عرقلة نمو السكان الخارج عن السيطرة لتحقيق المرامي الإنمائية والصحية في أفريقيا وراء إجراء هذه الدراسة التي ترتكز على افتراض أن الخصوبة لن تنخفض إلا إذا تبنى السكان ككل وسائل منع الحمل المعاصرة الفعالة، كما حصل في أجزاء أخرى من العالم.

الغرض من هذه الدراسة مراجعة التقدم في الإقبال على وسائل منع الحمل المعاصرة في أفريقيا. نستخدم كهيكلية لدراستنا الخلاصة الموجزة للشروط المسبقة للانتقال الخصوبي في أوروبا بقلم Ansley Coale بعد تعديلها من قبل Lesthaeghe & Vanderhoeft.(4-5) وليس من المرجح أن تنخفض الخصوبة بسرعة مستدامة إلا إذا كان عددٌ ضخم ومتنامٍ من الأزواج «مستعدين وراغبين وقادرين» على استخدام وسائل منع الحمل المعاصرة.

الاستعداد هو الحاجة أو الرغبة الشخصانية بتأجيل الولادات أو التوقف تماماً عن الإنجاب. وهذه ليست الأسباب الوحيدة لاستخدام وسائل منع الحمل، لكنها الأكثر شيوعاً بالتأكيد. تشير الرغبة إلى الموقف لصالح منع الحمل، وتحديداً لصالح وسائل معينة لمنع الحمل. فمعارضة وسائل منع الحمل المعاصرة شائعةٌ في الكثير من المجتمعات في بداية الأمر، وتأخذ شكل الرفض التام لأسباب دينية أو ثقافية أو نتيجة الخوف من العقم أو مخاوف صحية أخرى. وقد وَثّق كمٌّ كبير من البحوث الكيفية في أفريقيا الممانعة العميقة لاستخدام وسائل منع الحمل المعاصرة.(6-9) أما القدرة فتشير إلى وجود اطلاعٍ كافٍ على وسائل منع الحمل ومعرفة موارد الإمداد بها وإمكانية الحصول عليها. ومن البديهي أن الاستعداد والرغبة والقدرة هي شروط مسبقة لاستخدامها، وأن هذه العناصر الثلاثة تتآثر فيما بينها. فمثلاً، يمكن أن يحمل الاستعداد المرأة على الاطلاع على الوسائل وموارد الإمداد بها، ولكن لا يمكن وضع أي افتراضات حول الترتيب السببي.

الطرائق

تأتي المعطيات حول نزعات الاستعداد والرغبة والقدرة في أفريقيا واستخدام وسائل منع الحمل بحد ذاته من أجل هذا التحليل من المسوح الديموغرافية الصحية التي تقدم معلومات مقيّسة إلى حد بعيد وممثلة وطنياً حول الصحة ومنع الحمل. تم استجلاب مصادر المعطيات المتاحة للعموم هذه من موقع http://www.measuredhs.com. (10) وتحديداً، قمنا بتقصي النزعات في 24 من بلدان جنوبي الصحراء الكبرى التي أجرت مسحين ديموغرافيين صحيين أو أكثر. وهذه البلدان مُدرجةٌ في الجدول 1 مع سنوات إجراء المسوح. يلاحَظ تمثيل جيد لأفريقيا الغربية والشرقية على حد سواء، وتمثل بلدان الدراسة نحو 75% من إجمالي السكان في أفريقيا جنوبي الصحراء.

كان وسيط سنة العمل الميداني من أجل المسح الديموغرافي الصحي الأول 1991 في أفريقيا الغربية و1992 في أفريقيا الشرقية، وكان وسيط السنة لآخر استقصاء في كلتا المنطقتين 2004. وبالتالي أمكن فحص النزعات خلال فترة 13 سنة في أفريقيا الغربية و12 سنة في البلدان الباقية.

تم استخلاص مؤشرات الاستعداد والرغبة والقدرة من ملفات المسوح الديموغرافية الصحية أو حسابها باستخدام معطيات هذه المسوح. وتم تمثيل الاستعداد بالنسبة المئوية للنساء اللاتي يرغبن بالتوقف عن الإنجاب (أو تم تعقيمهن) أو اللاتي رغبن بتأجيل الإنجاب لمدة سنتين على الأقل. كما تم تمثيل الرغبة بالنسبة المئوية للنساء اللاتي صرّحن عن تأييدهن لتنظيم الأسرة وفي الوقت نفسه اعتقدن أن شركاءهن يستحسنون الفكرة. أما القدرة فمُثّلت بالنسبة المئوية للنساء اللاتي كان لديهن المعرفة حول حبوب وحقن منع الحمل وحول طريقة الحصول على خدمات تنظيم الأسرة. وقد جرى انتقاء الحبوب والحقن لأنهما أشيع وسيلتين لمنع الحمل بين المتزوجين أو المتعاشرين في أفريقيا.

اقتصرت جميع تحاليل النزعات في هذه المؤشرات على النساء الخصيبات غير الحوامل اللاتي كن متزوجات أو متعاشرات في أثناء إجراء المسح. وتم حصر المقام في تحليل الاستخدام الحالي لمانعات الحمل على النساء اللاتي عدن إلى النشاط الجنسي وبدأ لديهن الحيض بعد آخر ولادة، وبالتالي كن معرَّضات لاختطار الحمل. ومن أجل تقييم القدرة بين غير المستخدمات لوسائل منع الحمل استبعدنا من الدراسة جميع النساء اللاتي كن يستخدمن وسائل منع الحمل في وقت إجراء المسح الديموغرافي الصحي.

تم تقييس النزعات كلها داخل كل بلد وفق توزع المستوى التعليمي (أمية أو دون المرحلة الابتدائية، إتمام المرحلة الابتدائية، الثانوية أو أعلى) ووضع الإقامة في الريف أو الحضر لجميع النساء المتزوجات أو المتعاشرات في المسح الديموغرافي الصحي الأولي. وبالتالي تم عموماً ضبط التغيرات في التركيب بين عينات المسوح الديموغرافية الصحية المتتالية الناجمة عن النزعات الجيلية أو عن الفروق في أطر الاعتيان. أظهرت المقارنة بين النزعات المقيّسة وغير المقيّسة أن أثر التقييس كان صغيراً. ومن أجل التحليل، تم كذلك تقييس الرغبة بالامتناع عن الإنجاب بعدد الأطفال الأحياء (0–2، 3–4، 5 أو أكثر) وتم تقييس الرغبة بتأجيل الحمل لمدة سنتين أو أكثر بعدد الأشهر من آخر ولادة (0–11، 12–23، 24–35، 36 أو أكثر). وأجريت التحاليل الإحصائية بواسطة رزمة برمجيات Stata، الإصدارة 10 (Stata Corp. LP, College Station, United States of America)، وجرى التقييس بتطبيق الأمر istdize.

لم يركز تحليلنا على نتائج بلدان منفردة، وإنما على المقارنة بين أفريقيا الغربية والشرقية. شملت فئة أفريقيا الغربية بلداً واحداً من أفريقيا الوسطى (الكاميرون)، وشملت فئة أفريقيا الشرقية بلداً واحداً من أفريقيا الجنوبية (ناميبيا). تم تلخيص النتائج للبلدان الأفريقية الغربية الثلاثة عشر والبلدان الأفريقية الشرقية الأحد عشر باستخدام مخططات الصندوق التي تبين قيمة الوسيط والمجال بين الشريحتين الربعيتين والمجال الذي يُتوقَّع أن تقع ضمنه 90% من التقديرات والنواشز. هذه المخططات تمثل المسح الديموغرافي والصحي الأول والأخير. وقد قمنا كذلك بحساب وسيط معدل التغير السنوي لكل مؤشر بالنسبة المئوية المطلقة.

النتائج

نزعات الاستعداد مبيّنةٌ في الشكل 1. بلغ وسيط النسبة المئوية قرابة سنة 1991 للنساء المتزوجات أو المتعاشرات في أفريقيا الغربية اللاتي صرحن عن رغبتهن بتأجيل الإنجاب أو التوقف عنه 46% مع مجال ضيق بين الشريحتين الربعيتين. وفي سنة 2004 كانت قيمة الوسيط مماثلة تقريباً إذ بلغت 47%. وفي أفريقيا الشرقية كانت الرغبة الشخصانية بالتوقف عن الإنجاب أو تأجيله أعلى بكثير منها في أفريقيا الغربية، وكان التغير بين بداية تسعينات القرن العشرين وسنة 2004 أكبر بكثير، إذ تزايدت قيمة الوسيط من 56% في سنة 1992 إلى 72% في سنة 2004. عدا ذلك تقلص مجال التقديرات في الأحد عشر بلداً مع الوقت، ولكن برزت موزمبيق ناشزاً (44%). وقد بيّن تحليل منفصل (المعطيات غير معروضة) للنزعات في الرغبة بالتوقف عن الإنجاب مقارنةً بالرغبة في تأجيله أن في أفريقيا الشرقية تنبع الزيادة الملاحظة في الحاجة إلى منع الحمل بشكل رئيسي من زيادة تناسب النساء اللاتي يرغبن بالتوقف عن الإنجاب وليس تأجيله.

الشكل 1. النزعات في النسب المئوية للأزواج الذين يريدون التوقف عن الإنجاب أو تأجيل إنجاب طفل آخر لمدة سنتين على الأقل. أفريقيا الغربية (WA) مقارنةً بأفريقيا الشرقية (EA)، 1/1992–2004

يبين الشكل 2 النزعات في الرغبة. تزايد وسيط النسبة المئوية للأزواج التي كان كلا الشريكين فيها يستحسنون تنظيم الأسرة (حسب إقرار الشريكة) في أفريقيا الغربية تزايداً طفيفاً من 32 إلى 39، بينما في أفريقيا الشرقية كانت هذه الزيادة أوضح بكثير حيث ازداد الوسيط من 44 في سنة 1992 إلى 63 في سنة 2004، وحدث تقلص ملحوظ في المجال بين الشريحتين الربعيتين مع وجود ناشزين واضحين: زمبابوي (83%) وموزمبيق (48%). ولاختبار احتمال أن مواقف الرجال تشكل عقبة كبرى أمام الإقبال على مانعات الحمل أجرينا تحليلاً منفصلاً لاستحسان الزوجة وتصورها حول استحسان عشيرها (المعطيات غير معروضة). هناك ثغرة واسعة حقاً بين استحسان المرأة وتصورها حول استحسان شريكها في كلا الإقليمين؛ ففي الفترة حول سنة 1991 أبلغ 62% من النساء في أفريقيا الغربية عن استحسانهن لمنع الحمل، ولكن لم يبلغ إلا 35% منهن أن شريكهن يستحسن ذلك. التقديرات الموافقة في أفريقيا الشرقية في سنة 1992 هي 76% و47%، على التوالي. ولكن ينبع الجزء الأكبر من هذا الفرق من عدم تأكد الزوجة من موقف زوجها. في المسح الديموغرافي الصحي الأول عبر 31% من النساء في أفريقيا الغربية بالمتوسط عن عدم تأكدهن من موقف أزواجهن، وكان العدد الموافق في أفريقيا الشرقية 21%. علاوةً على ذلك، كانت النزعات الزمنية في أفريقيا الغربية متواضعة بالنسبة لكلا المؤشرين، بينما شهد التصور بأن العشير الذكر يستحسن منع الحمل زيادةً أكبر مقارنةً باستحسان النساء.

الشكل 2. النزعات في النسب المئوية للأزواج التي تستحسن المرأة فيها تنظيم الأسرة وتعتقد أن عشيرها يستحسنه أيضاً، أفريقيا الغربية (WA) مقارنةً بأفريقيا الشرقية (EA)،a 1/1992–2004

يبين الشكل 3 النزعات في القدرة بين النساء اللاتي لا تستخدمن وسائل منع الحمل في وقت المسح. ارتفع وسيط النسبة المئوية للنساء اللاتي لديهن معرفة حول حبوب وحقن منع الحمل وحول طريقة الحصول على خدمات تنظيم الأسرة من 8% إلى 29% في أفريقيا الغربية ومن 32% إلى 64% في أفريقيا الشرقية بين السنتين 1991 و2004.

الشكل 3. النزعات في النسب المئوية للنساء غير المستخدمات لوسائل منع الحمل اللاتي لديهن معرفة حول الحبوب والحقن ومن أين تُطلَب خدمات تنظيم الأسرة، أفريقيا الغربية (WA) مقارنةً بأفريقيا الشرقية (EA)،a 1/1992–2004

يبين الشكل 4 النزعات في الاستخدام الحالي لوسائل منع الحمل المعاصرة بين النساء المتعرضات لاختطار الحمل (أي جميع النساء غير الحوامل المتزوجات أو المتعاشرات في عمر الإنجاب باستثناء أولئك اللاتي لم تعد دورتهم الحيضية أو اللاتي لم يشاركن في نشاط جنسي منذ آخر ولادة). في أفريقيا الغربية بلغ وسيط النسبة المئوية للنساء اللاتي يستخدمن وسائل منع الحمل المعاصرة 7% في سنة 1991 وكان المجال بين الشريحتين الربعيتين ضيقاً، حيث تراوح استخدام مانعات الحمل في نحو نصف البلدان الثلاثة عشر بين 5 و10%، وتزايدت قيمة الوسيط بحلول سنة 2004 إلى 15%، وهذا يكافئ زيادة سنوية بمقدار 0.6%. وكان الاستخدام أعلى بكثير في غانا (ناشز، 30%). في أفريقيا الشرقية كان تناسب النساء اللاتي تستخدمن مانعات الحمل في سنة 1992 مماثلاً له في أفريقيا الغربية في سنة 2004، وقد تزايد استخدام وسائل منع الحمل بين السنتين 1992 و2004 بمعدل 1.4% سنوياً، من 16% إلى 33%، وقد تزايد التغير بين البلدان خلال هذه الفترة. أعدنا فحص النزعات في 16 بلداً أجريت فيها ثلاثة مسوح ديموغرافية صحية (الجدول 1) لتقدير ما إذا كان التغير متجانساً في الوقت. توحي النتائج (غير معروضة) بأن الزيادة في الاستخدام الحالي لمانعات الحمل كان أكبر خلال تسعينات القرن العشرين (بمعدل 0.68% و2.7% في أفريقيا الغربية والشرقية على التوالي) مقارنةً بالسنوات الأولى للقرن الحادي والعشرين (بمعدل 0.57% و1.45% في أفريقيا الغربية والشرقية على التوالي).

الشكل 4. النزعات في النسب المئوية للنساء تحت اختطار الحملa اللاتي تستخدمن وسيلة معاصرة لمنع الحمل، أفريقيا الغربية (WA) مقارنةً بأفريقيا الشرقية (EA)،a 1/1992–2004

المناقشة

يعاني هذا التحليل من محددات مختلفة، فاثنان من المؤشرات المستخدمة لتقدير التقدم أو الركود هما تمثيلان مبسّطان للغاية لمفاهيم معقدة. لا شك بأن المواقف تجاه فكرة تجنب الحمل والوسائل المعيّنة لمنع الحمل متعددة الأبعاد، ولا يلتقط التصريح بمجرد الاستحسان أو الرفض الأسباب المستبطنة المعقدة. ومع ذلك، فإن النزعات في الاستحسان، مقيسةً بأسئلة متماثلة خلال مسوح متتابعة، تكشف كيفية تحول منع الحمل من ممارسة أجنبية شاذة اجتماعياً تهدد الصحة وتخل بالمعتقدات الدينية إلى جانب روتيني لا جدال عليه في الحياة الزوجية. القدرة، أي الإتاحة، أمر معقد أيضاً له مكونات اجتماعية وكذلك مكانية. لم تتوفر المعلومات حول المسافة أو وقت السفر المطلوب للوصول إلى مصدر خدمات تنظيم الأسرة، علماً بأن هذين العاملين لا يبدوان من المحددات القوية لاستخدام هذه الخدمات.11 ويلتقط مؤشر القدرة المستخدم في هذه المقالة، أي المعرفة بوسيلتين من وسائل منع الحمل المعاصرة وحول كيفية الحصول عليهما، المكونين الأساسيين للإتاحة.

ينحصر التحليل كله بالنساء غير الحوامل المتزوجات أو المتعاشرات وفي سن الإنجاب. إن استبعاد الحوامل نتيجة صعوبة قياس الحاجة إلى منع الحمل في هذه الفئة له تأثير على زيادة مستوى الاستخدام الحالي لوسائل منع الحمل. إلا أن هذا التأثير طفيف لأن نحو 10% من النساء يبلغن عن أنهن حوامل خلال مسح نموذجي في أفريقيا.

استبعدنا غير المتزوجات لأن نزعات استخدام واختيار وسائل منع الحمل بينهن مختلفة، وهن إجمالاً أكثر إقبالاً عليها مقارنةً بالمتزوجات.(12) ففي بلدان كثيرة تستخدم غير المتزوجات وسائل منع الحمل، وبالدرجة الأولى العوازل الذكرية، أكثر من الأزواج المتزوجين الذين يندر استخدامهم للعوازل الذكرية. كان تحليل النزعات بين غير المتزوجات سيتطلب تحليلاً موازياً منفصلاً. كما لم ندرس المعطيات حول الرجال أيضاً، ويعود ذلك جزئياً إلى أن اشتمالها كان سيؤدي إلى خفض عدد بلدان الدراسة وتقصير الفترة الزمنية التي يمكن مراقبة النزعات خلالها. عكس المعتقد الشائع، فإن المواقف تجاه حجم الأسرة ومنع الحمل لا تختلف كثيراً بين الرجال والنساء، ولذا فإن الاستعداد والرغبة قد تكون متشابهة بينهم أيضاً.(13) ولكن اكتُشِفت فروق أكبر بين الرجال والنساء في استخدام وسائل منع الحمل؛ ففي مسوح كثيرة يرجح أن يبلغ الرجال عن استخدام مانعات الحمل أكثر من شريكاتهم، ولكن تقاريرهم تبدو أقل معوليةً لأسباب غير مفهومة تماماً.(14) يشير تحليل من ملاوي أن الرجال يحبون أن يُظهروا أنفسهم على أنهم معيلون جيدون وأزواج يهتمون بحفظ صحة زوجاتهم، بينما يرجح أن تُظهر النسوة أنفسهن على أنهن محتاجات.(15)

بينت هذه الدراسة أنه في 13 بلداً في أفريقيا الغربية لا يزال الطلب الشخصاني على وسائل منع الحمل أو الحاجة الشخصانية إليها، بناءً على النساء المتزوجات أو المتعاشرات، منخفضاً ويبلغ نحو 46%، ولم يتغير خلال العقد الماضي. ولا يزال استحسان تنظيم الأسرة منخفضاً أيضاً ولم يتغير إلا قليلاً. لا تزال القدرة، أي المعرفة بوسائل منع الحمل المعاصرة والوصول إليها منخفضاً للغاية أيضاً، حيث لم يذكر سوى 29% من النساء غير المستخدمات لوسائل منع الحمل في أثناء المسح الديموغرافي الصحي (وهن يشكلن أغلبية كبيرة بين النساء المتزوجات أو المتعاشرات) معرفتهن حول طريقتين شائعتين ومصادر الإمداد.

يتوافق بطء الزيادة في استخدام وسائل منع الحمل المعاصرة في أفريقيا الغربية تماماً مع النزعات في المؤشرات الأخرى. وتلزم عادةً زيادة 15% على الأقل في استخدام وسائل منع الحمل لخفض الخصوبة بمقدار ولادة واحدة لكل امرأة. فإذا بقي استخدام مانعات الحمل يتزايد بالسرعة الملاحظة بين السنتين 1991 و2004، قد يستغرق انخفاض الخصوبة من مستواها الحالي البالغ 5.5 ولادة لكل امرأة إلى 4.6 ولادة في أفريقيا الغربية 25 سنة أخرى. ووفق الإسقاطات المتوسطة للسكان للأمم المتحدة، ستنخفض الخصوبة إلى 3.5 ولادة في 2025–2030 وسينمو مجموع السكان من 270 مليوناً في سنة 2005 إلى 626 مليوناً بحلول منتصف القرن.16 أما وفق الإسقاطات العالية للأمم المتحدة فسوف تنخفض الخصوبة في أفريقيا الغربية إلى 4.0 ولادة لكل امرأة في 2025–2030، وسيبلغ عدد السكان 705 ملايين بحلول سنة 2050. وإذا لم تتغير النزعات الحالية لاستخدام مانعات الحمل، فمن المحتمل أن يتجاوز نمو السكان حتى هذا التنبؤالعالي.

لهذا الانخفاض البطيء جداً في الخصوبة وللزيادة الجسيمة في عدد السكان مقتضيات كارثية محتملة فيما يتعلق بخفض الفقر والجوع في العالم، وفي الحقيقة، لتحقيق كل مرمى من المرامي الإنمائية للألفية. يشمل إقليم أفريقيا الغربية عدداً من البلدان، مثل نيجر وتشاد، التي لديها مباءات (أنظمة إيكولوجية) هشة للغاية وتتصف بعدم الاستقرار الغذائي. ومن غير المرجح تماماً أن تستطيع مثل هذه البلدان إطعام سكانها إذا نما عددهم خلال الأربعين سنة القادمة إلى ضعفي العدد الحالي أو ثلاثة أضعافه، وستحدث غالباً هجرة جموعية إلى بلدان مجاورة ذات قواعد زراعية أكثر استقراراً هرباً من الضغوط الديموغرافية، وستترافق بنزاعات أهلية.

ومن المحتمل أن الإجهاضات المحرضة قد عوضت جزئياً عوز وسائل منع الحمل الفعالة، فقد انخفضت الخصوبة في أفريقيا الغربية من ذروتها البالغة 6.9 ولادة لكل امرأة حول السنة 1980 إلى 5.5 في 2010 رغم الاستخدام المنخفض جداً لوسائل منع الحمل، وزيادة معدلات الإجهاض أرجح تفسير لهذا، ولكن الإجهاضات في أغلب هذه البلدان محرمة قانونياً وغير آمنة. ورغم أن معدلات الإجهاض المقدّرة في أفريقيا الغربية أدنى منها في أفريقيا الشرقية، إلا أن أفريقيا الغربية تتصف بأعلى مستوى للوفيات المرتبطة بالإجهاض من أي إقليم آخر في العالم، وتقدّر بنحو 140 وفاة متعلقة بالإجهاض لكل 100000 ولادة حية سنوياً.(17-18) وبالتالي إذا كان انخفاض الخصوبة سينجم عن الإجهاضات بالدرجة الأولى، سيصبح الوضع كارثياً فيما يتعلق بصحة وبقيا النساء. ولذا ينبغي الدعاية لوسائل منع الحمل في أفريقيا الغربية بشدة لأسباب صحية واقتصادية معاً.

أما النزعات في البلدان الأحد عشر في أفريقيا الشرقية فتختلف اختلافاً كبيراً، حيث ازداد الطلب على وسائل منع الحمل لتحديد حجم الأسرة (ولكن ليس لتأجيل الإنجاب) زيادةً حادة، وصارت المواقف أكثر إيجابيةً والوصول (أي المعارف حول وسائل منع الحمل ومصادر الإمداد) مرتفعاً. تزايد استخدام وسائل منع الحمل في أفريقيا الشرقية، كما هي الحال في أغلب العالم النامي، بمعدل 1.4% سنوياً. ورغم التفاوت الملموس بين البلدان، تشير كل هذه البينات إلى أن الإقبال على وسائل منع الحمل من المرجح أن يزداد، وستستمر الخصوبة بالانخفاض. أحد المحاذير الهامة في هذا السيناريو الإيجابي هو أن سرعة التزايد في استخدام وسائل منع الحمل قد تباطأت بوضوح من تغير سنوي بقدر 2.7% في تسعينات القرن العشرين إلى 1.45% بعد تلك الفترة.

يقع استكشاف أسباب توسع الفجوة بين أفريقيا الغربية والشرقية خارج نطاق هذه الدراسة. ولكننا فحصنا النزعات والفروق في مؤشر التنمية البشرية ووفيات الأطفال وعمالة النساء وتعليمهن والإقبال على خدمات صحة الأمهات والأطفال وقوة برامج تنظيم الأسرة، والتي يمكن أن تؤثر جميعها على السلوك الإنجابي. لم نلاحظ فروق في النماء الإجمالي ولا في وفيات الأطفال ولا عمالة النساء بين الإقليمين. كانت هناك نزعات متواضعة نحو زيادة تناسب الولادات في المرافق الصحية، ولكن هذه النسبة كانت أقل بقليل في أفريقيا الغربية مقارنةً بالشرقية. تزايد وسيط النسبة المئوية للأطفال في أعمار 12–23 شهراً الذين حصلوا على التمنيع التام تزايداً ملموساً بينما لم يتغير في أفريقيا الشرقية. إلا أن هذه الفروق لا تبدو كافية لتفسير موجوداتنا.

تتوفر قياسات لقوة برامج تنظيم الأسرة المبنية على آراء الخبراء من John Ross et al..19 اعتُبرت البرامج في كلا الإقليمين بنفس القوة إجمالاً في سنة 1999، مع أن توافر وسائل منع الحمل كانت أقل في أفريقيا الغربية. ولكن في دراستنا لوحظ شرخ واسع بين الإقليمين في التوافر أو الوصول، مما يوحي بقوة بأن أفريقيا الغربية لم تبذل جهوداً بحجم أفريقيا الشرقية لجعل وسائل منع الحمل متوافرة توافراً واسعاً، وهذا هو التفسير المحتمل للشرخ بين الإقليمين بالدرجة الأولى. العامل الحاسم الثاني هو المستوى التعليمي للنساء لأنه العامل الوحيد الأقوى ارتباطاً باستخدام وسائل منع الحمل وانخفاض الخصوبة. وفق تقديراتنا الخاصة، تزايدت النسبة المئوية للنساء المتزوجات اللاتي أتممت المدرسة الابتدائية في بلدان أفريقيا الغربية من 13 إلى 16% بين السنتين 1991 و2004، بينما ازدادت هذه النسبة في أفريقيا الشرقية من 24 إلى 45.5%. ويبين هذا الفرق الملموس أن الجهود الرامية إلى تحسين تعليم البنات في أفريقيا الغربية كانت أقل من أفريقيا الشرقية خلال العقد الماضي. بينت بنغلاديش وبلدان أخرى أنه من الممكن تحقيق مستويات مرتفعة من استخدام مانعات الحمل في جمهرات أمية إجمالاً، مع أن تحقيق ذلك أصعب من الجمهرات ذات مستويات أفضل لتعلم البالغين، لا سيما النساء.

تحمل هذه المقالة رسالة مزدوجة. أولاً، من أجل عكس الركود في استخدام الوسائل المعاصرة لتنظيم الأسرة في أغلب بلدان أفريقيا الغربية وبعض بلدان أفريقيا الشرقية يجب أن تصبح خدمات منع الحمل أكثر إتاحةً. وهذا يتطلب استثمارات ضخمة جديدة وحملات إعلامية نشطة تتناول المواقف غير المؤاتية تجاه تنظيم الأسرة عموماً ووسائل معينة تحديداً. ستلزم أيضاً تغيرات هامة في الأولويات السياسية وظهور قيادة محلية قوية لتصبح فكرة الأسر الأصغر ومنع الحمل شرعية. ثانياً، يجب تحسين فرص التعلم للبنات تحسيناً عظيماً، سواء لفائدته بحد ذاته أم كوسيلة لتسريع التغير الإنجابي في الجيل القادم.


التمويل:

تلقى Robert P Ndugwa دعماً لراتبه من Wellcome Trust. لم يكن للمؤسسة الداعمة أي دور في تحضير هذه المقالة.

تضارب المصالح:

لم يصرح بشىء.

المراجع: