مجلة منظمة الصحة العالمية

الصحة النفسية بعد الأزمات

في بعض أنحاء العالم يتلقّى المصابون باضطرابات الصحة النفسية خلال الطوارئ أو بعدها فقط أي علاج متيسّر، وغالباً ما تكون المساعدة في تقديم ما لا يحتاجون إليه. ويخبر الدكتور مصطفى المصري فيونا فليك أنّ المجتمع الدولي يحتاج إلى إعادة النظر في الإغاثة الصحية النفسية في حالات الطوارئ.

Bulletin of the World Health Organization 2011;89:326–327. doi:10.2471/BLT.11.040511

Courtesy of Mustafa Elmasri

الدكتور مصطفى المصري طبيب نفسي في غزة، لديه خبرة لعقدين من العمل في الصراعات والحروب، وعواقبها المؤلمة. حصل على شهادة الطب من جامعة الإسكندرية عام 1983، ودبلوم في العلاج النفسي من جامعة تل أبيب عام 1996، ودبلوم ممارسة الطب النفسي عام 1997 من جامعتي لندن وعين شمس في مصر. بدأ حياته المهنية طبيباً في غزة عام 1986، وبدأ العمل في مجال الرعاية الصحية النفسية عام 1992، وعمل في الأعوام 1998-2000 في رعاية الناجين من الإبادة الجماعية في كمبوديا، وفي الأعوام 2000-2003 في رعاية المدنيين الذين تعرّضوا للإرهاب في الجزائر، وخلال عامي 2005-2006 في رعاية لاجئي دارفور في تشاد، وهو يعمل منذ عام 2008 مع منظمة الصحة العالمية على دمج خدمات الصحة النفسية بالرعاية الصحية الأولية في قطاع غزة.

سؤال: كان الكثير من عملك في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا, أيّ نوعٍ من الرعاية الصحية النفسية يقدّم في تلك البلدان؟

جواب: يختلف ذلك من بلدٍ إلى آخر، ولكن إجمالاً يوجد نقص في الخبرات النفسية الاجتماعية، وتقوم الرعاية الصحية النفسية في العديد من تلك البلدان على الطب النفسي الكلاسيكي المعهود، ولكن غالباً ما يوجد عدد ضئيل جداً من الأطباء النفسيين، وتقوم بالعمل النفسي الاجتماعي في المقام الأول منظمات غير حكومية دولية ومحلية صغيرة، ولا يوجد مجتمع مدني عملياً، على الرغم من أنَّ ذلك ربما يتغيّر الآن؛ لذا يرتبط الكثير من استجابات الرعاية الصحية النفسية في الطوارئ بالمبادرات والتمويل من الخارج الذي يكون غير دائم، ويؤدّي ذلك إلى أخطاء؛ فقد جاء أناس إلى غزّة مثلاً بمشاريع في حالة طارئة بعد الحرب الأخيرة (9-2008) للعمل مباشرةً مع السكان المحليّين، وأهملوا الخدمات المحلية، وقد عملت مع مستنصحين محليين شباب، ورأيت كيف تضرّر عملهم وطموحاتهم بمشاريع الطوارئ قصيرة الأجل تلك.

سؤال: هل يُعدّ ذلك نمطيّاً؟

جواب: يحدث ذلك بعد كل كارثة. تندفع نحوك الجهات المانحة المهتمّة، لكنّ تلك المشاريع والتدخلات تكون قصيرة الأجل عادة؛ لذا تكون ذات نتائج عكسية. وبمعزلٍ عن المطلوب في الاستجابة للطوارئ، فإنَّ ذلك يجب أن يأتي من داخل النظام الصحي الموجود. إنّه البنية التي ستبقى بعد رحيلك، ويتعيّن ألا يكون ذلك في شكل تدخّلات متطوّرة جداً يقوم بها الأجانب من أجل "السكان المحليين الفقراء".

سؤال: هل السكان المحليون غير راضين عن ذلك أيضاً؟

جواب: يستبشر الناس الذين يكونون في حاجة بتلقي المساعدة، لكنّها تكون في بعض الحالات غير فعّالة وغير ملائمة تماماً؛ فعلى سبيل المثال في يوغسلافيا السابقة خلال التسعينيات سارع موظفو المنظمات غير الحكومية الأجنبية إلى القرى لأنَّ الكثير من الناس تدفّقوا إليها، وخلال الحرب الأخيرة في غزّة قدمت منظمات غير حكومية دولية عديدة إليها، وجنّدت موظفين ودرّبتهم بضعة أيام على بعض جوانب العمل في تدبير الرضوح، وأرسلتهم في المكان من منزلٍ إلى آخر للبحث عن المرضوحين. وبالطبع رفضت العائلات تلك المساعدة الطبية النفسية في الوقت الذي كان ما يحتاجونه حقاً المساعدة بالحاجات الأساسية مثل الملجأ والرعاية الطبية، وقد وقف المستنصحون الشباب بمفردهم دون دعم الفريق، لا حول لهم ولا قوة، يعرضون ما لا يُطلب، فمستنصحو الرضوح والكرب يعملون عادةً في فريق مواجهة الأزمة، ويقدّمون الخدمات كجزء من إطارٍ شامل، وليس من المفاجئ أنَّه كان على المنظمات غير الحكومية أن تُحضر موجةً أخرى من الأطباء النفسيين تعمل مع المستنصحين أنفسهم.

سؤال: ما هو أسلوبكم؟

جواب: أعمل مع الخبراء المحليين والبنيات دون النظر إلى معارفهم وخبراتهم. إنَّ الفصل بين مشاريع التطوير ومشاريع الطوارئ يعني بيان الأعمال التي تحجب حقيقة أنَّ كلّ جمهرة في عملية تغيّر وتطوّر مستمرة، وفكرة "الإغاثة في الطوارئ" تُشوَّه كليّاً في القطاع الاجتماعي النفسي؛ لأنَّه غالباً ما يقدّم بعد الكوارث فقط للناس ما يحتاجونه قبلها، فغزّة كانت تحت الحصار قبل الحرب وبقيت تحته بعدها، في حين أنَّ إغاثة الطوارئ ارتبطت بالحرب، وتضاءلت بعدها، فقد خُصِّص تمويل لستة أشهر فقط لمئتي منظمة غير حكومية محلية تعمل ميدانياً، ولكن لم تكن أي منها معنية بالخدمات الصحية النفسية لوزارة الصحة.

سؤال: هل تؤدّي الخلفية الثقافية دوراً ما؟

جواب: كلّ تدخّل صحي نفسي يجب أن يتكيّف مع الثقافة، هذا ما يُحسب اليوم، فحتى لو كنت تصف الأدوية يجب أن تأخذ في الحسبان المعتقدات الثقافية المتعلّقة بالأدوية، والأمر ذاته ينطبق على المعالجة النفسية، وكمتدربين نحتاج إلى أن نكيّف أسلوبنا مع الناس الذين نرغب بمساعدتهم. إنَّ بعض المدارس في العلاج النفسي ملائمة أكثر من غيرها؛ فمثلاً المعالجة السلوكية المعرفية تلائم عادةً الناس الذين ينتمون إلى ثقافات تتكلّم العربية، ويستند ذلك إلى البيّنات والتفكير الرشيد الذي يعدّ جزءاً من منظومة القيّم العربية الإسلامية، وعندها تكون معتقداتك الأساس الرئيس لسلوكك، وتعتقد أنَّ ما تقوم به سيكون له تأثير على هذه الحياة وبعدها.

سؤال: لتصفْ لنا عملك وحياتك في غزّة؟

جواب: إننا ندمج الرعاية الصحية النفسية في بنية الرعاية الصحية الأولية، ونستهدف الشريحة الأوسع من السكان الذين يعانون من الكرب في المقام الأوّل، وكذلك الاضطرابات النفسية الشائعة لدى أشخاص لا تُتاح لهم في الحالة الطبيعية الخدمات الصحية النفسية. إننا نعمل مع المؤسسات لتخريج المزيد من المختصين بالصحة النفسية الذين توجد حاجة ماسة إليهم في هذا المجتمع، وندرّب الممرضات والأطباء النفسيين والعاملين الاجتماعيين، ونستخدم طرائق أخرى للمعالجة النفسية؛ مثل المعالجة المعرفية السلوكية والتدخلات النفسية الاجتماعية الأخرى بما فيها العمل الاجتماعي والتدخّل المجتمعي والتثقيف النفسي للعائلة. إنَّ الحياة هنا في غزّة قاسية، لكنّها حياة في الوطن مع العائلة والأصدقاء.

سؤال: هل يمكن أن تضرب أمثلة لهذا العمل؟

جواب: تخرّج الجامعات المحليّة في غزّة خريجين يحملون شهادة البكالوريوس في الطب النفسي وعلم الاجتماع والطب تكون خبرتهم السريرية معدومة أو محدودة جداً، ولا يوجد لدينا في الوقت الحاضر برامج للطب النفسي السريري، والمختصون مثقلون بالعمل، ويتقاضون أجوراً قليلة من وزارة الصحة، وتجتذب الكثيرين منهم المنظمات غير الحكومية والقطاع الخاص، ويعملون عادةً مع مجموعات ضيّقة جداً ومحدّدة سلفاً من السكان، إلاّ أنَّ تلك المشاريع لا تساعد الكثيرين من المصابين بعللٍ نفسية خفيفة إلى متوسّطة لا تتعلّق مباشرةً بالحرب والرضح، ولا المصابين بعلل نفسية شديدة الذين لا تُتاح لهم خدمات صحية نفسية فعّالة. تقوم مقاربتنا على تطوير قدرات العاملين الصحيين النفسيين في خدمات الصحة النفسية والرعاية الصحية الأولية الموجودة من خلال تقديم مساعدة مؤهَّلة ومستمرة بمعزلٍ عن النشوب النوبي للحرب والعنف.

سؤال: يناقض ذلك الدلائل الإرشادية للجنة الدائمة المشتركة للوكالات، لماذا ما نزال نرى المعالجين النفسيين يهبطون بالمظلات في حالات الطوارئ؟

جواب: واجهت هذه الظاهرة في كمبوديا، فقد هبط أناس فيما يبدو من السماء، وحاولوا الاتصال مع السكان المحليين مباشرةً لمساعدتهم في تدبير مشكلاتهم الصحية النفسية، ولكنّ ذلك كان عديم الفائدة؛ ربما لأنَّه لم يكن هناك إلاّ عدد قليل من الأطباء النفسيين والأطباء, إلاّ أنني وجدت أنّه من الأفضل تدريب العاملين الصحيين على الاستنصاح والتقنيات السلوكية في المعالجة النفسية. ومن الأمثلة الأخرى معرفتنا حالياً أنَّ جلسات الانتقاء الوحيدة ضارة، إلاّ أنّ المنظمات غير الحكومية الدولية أرسلت أطباء نفسيين إلى غزّة بعد الحرب الأخيرة لانتقاء موظفي الصحة والطوارئ في جلسات وحيدة المجموعة.

سؤال: ما خبرتك في كمبوديا؟

جواب: كان هناك أطباء نفسيون ومختصون بعلم النفس من أنحاء العالم المختلفة، وقد تواصلوا من خلال مترجمين. وكان على مترجمي تغيير بعض الكلمات لأنّها غير ملائمة ثقافياً، فالمختصون الدوليون يجب أن لا يقدّموا الرعاية السريرية المباشرة للسكان المحليين، بل عليهم العمل مع مقدمي الرعاية المحليين ودعمهم. وحتى لو ُوجد زملاء محليين خبرتهم محدودة، فإنَّ المختصين الدوليين يمكنهم تدريبهم ومراقبتهم ومنحهم الموثوقية، ففكرة الهبوط من السماء كنبي يعد بالكثير من الأمور، ويرحل عندما ينفد التمويل ليست صائبة. إنّها تعني حسرة في القلوب، وعملاً لم يُنجز، وأولئك الناس عانوا سلفاً ما يكفي من الخسائر والوعود الفارغة، إنّهم يحتاجون إلى علاقات عمل طويلة الأمد تستمر بعد الحالة الطارئة لمساعدتهم في البناء على الخبرات التي تنقلها.

سؤال: ماذا حول البلدان التي يوجد فيها عدد قليل من خبراء الصحة النفسية، أو لا يوجد خبراء مطلقاً؟

جواب: إنَّ التطوّر ظاهرة طبيعية يمكنك أن تساعدها أو تعوقها، وليس أمراً تزرعه أو تُحدثه. لقد عملت مع لاجئي دارفور في تشاد، وهو أحد أفقر البلدان في العالم، يوجد فيه طبيب نفسي واحد لكلّ السكان، وقد كان التحدّي في إطلاق الخدمات الصحية النفسية والاجتماعية النفسية من الصفر؛ لذا درّبت المطبّبين الشعبيين والممرضات والمساعدين الطبيين المحليين. لقد كان خوف الناس في الخارج من الأعمال الوحشية التي شهدوها، والترويع الذي عانوه، وقد وُجدت حالات من اضطراب الكرب التالي للرضح والعلل النفسية المتعلّقة بالكرب الأخرى، ولكنني في العام الأوّل من مشاركتي أسّست خدمة سريرية للمصابين بعلل نفسية وخيمة والأطفال المصابين بالصرع، وبعضهم لم يعاينه موظفون طبيون من قبل. وقد كان من الجوهري أيضاً العمل مع الجمهرة المضيفة التي استقبلت اللاجئين الذين يتلقّون رعاية ودعم أفضل، في حين أن تلك الجمهرة قاسمتهم مواردها (الأرض والأخشاب والحيوانات)؛ لذا كانت تُجرى التدخلات عادةً ضمن النظام الصحي التشادي من أجل تقديم الخدمات لكلٍّ من لاجئي المخيمات والسكّان المحليين في القرى المجاورة، وأصبحت العيادات ملتقى للاجئين والسكان المحليين يمكنهم أن يتشاطروا فيها الألم والعلاج.

سؤال: كيف قمت بذلك؟

جواب: بإجراء مسح لأنظمة التطبيب الشعبية عند اللاجئين من دارفور إلى تشاد تعاونت مع الفقهاء (الخبراء في القانون الإسلامي) من اللاجئين والمجتمعات التشادية المحلية الذين عالجوا العلل الطبية والنفسية. لقد درّبتهم على التعرّف إلى حالات الصرع والذهان، وتحويلها إلى العيادة. وقد تبادلنا الخبرات أيضاً حول كيفية التعامل مع الكرب والعلل النفسية الخفيفة، وتعلمّ كلّ منّا من الآخر. قد يبدو ذلك غريباً أو مضحكاً، لكنّ الأمر ليس كذلك؛ فقد كان المطبّبون الشعبيون الشريك الرئيس إلى جانب المرضى وعائلاتهم في تفهّم المعاناة النفسية وإتاحة البنيات الاجتماعية الداعمة، وكجزءٍ من تعاوننا كنت أحوّل حالات الكرب الخفيفة واضطراب الجسدنة somatization إلى المطبّبين، وقد نظّموا أيضاً مجموعة للتراتيل ومجموعات للصلاة من أجل مرضاي.

سؤال: هل تبقى أذيّة الناجين من معاناة رهيبة مدى الحياة؟

جواب: ليس بالضرورة؛ فالناس قابلون للتكيّف، وبوجود مساعدة ودعم مناسبين يمكن أن يتغلّب العديد منهم على العلّة بعد الرضح. إنَّ الذكريات ستبقى مؤلمة، إلاّ أنَّ الناس يستمرون في حياتهم، ويعيدون بناء عالمهم، وقد رأيت في الجزائر كيف عاد الناس إلى حياتهم، وكانوا أحياناً أقوى نفسياً. علينا أن لا نحاول شفاء الجزء التاريخي من الرضح، فللشخص الخيار أن يصفح وينسى، أو يطلب التعويض، ومهمتنا معالجة العلّة ومساعدة الشخص في استعادة وظيفته الطبيعية مرةً أخرى.