مجلة منظمة الصحة العالمية

من المبيدات الحشرية إلى الأدوية الطبية: تحليل التسلسل الزمني لطرق الإيذاء الذاتي في سيريلانكا

Varuni A de Silva a, SM Senanayake a, P Dias b & R Hanwella a

a. Department of Psychological Medicine, Faculty of Medicine, University of Colombo, 25 Kynsey Road, Colombo 08, Sri Lanka.
b. Department of Statistics and Computer Science, University of Sri Jayewardenepura, Nugegoda, Sri Lanka.

المراسلة مع Varuni A de Silva (e-mail: varunidesilva2@yahoo.co.uk).

(Submitted: 09 June 2011 – Revised version received: 03 September 2011 – Accepted: 06 September 2011 – Published online: 04 October 2011.)

نشرة منظمة الصحة العالمية 2012;90:40-46. doi: 10.2471/BLT.11.091785

المقدمة

رغم قلة حدوث تبني الجمهرة لطُرزٍ جديدة في إيذاء الذات، فإنه عندما يحدث يستطيع التأثير على معدل وقوع الانتحار في تلك الجمهرة (في هذه المقالة نستخدم كلمة انتحار للدلالة على الموت الناتج عن إيذاء الذات، مع استبعاد المحاولات الفاشلة في إحداث أذية ذاتية مميتة). والعديد من التغيرات المماثلة تنتج عن نقص توافر وسائل الانتحار.1 فعلى سبيل المثال، ترافق حذف أول أكسيد الكربون من مزوّد الغاز مع انخفاض في معدل الانتحار عموماً في المملكة المتحدة لبريطانيا العظمى وإيرلندا الشمالية.2 كما أن استخدام المحولات التحفيزية، والتي خففت من انبعاث أول أكسيد الكربون من عوادم السيارات، قد ترافق أيضاً مع انخفاض المعدل العام لوقوع الانتحار.3

سريلانكا هي إحدى البلدان النامية التي سجلت في فترة ما معدلات انتحار مرتفعة جداً. فعلى سبيل المثال، كان معدل الانتحار الوطني للذكور فيها بين عامي 1985 و 1989 ثاني أعلى رقم في العالم؛4 وكان الشنق هو الطريقة الأكثر شيوعاً للانتحار فيها قبل عام 1960. وفي ستينيات القرن الماضي، كانت 75% من حالات الانتحار بالتسمم ناتجة عن تناول حمض الأسيتيك المستخدم في معالجة المطاط.5 وقد ارتفع المعدل الوطني للانتحار سريعاً بين عامي 1970 و1995، وبلغ ذروته عام 1995 بنسبة 47.0 عملية انتحار لكل 100 ألف نسمة.6 هذه الزيادة، والتي نُسبت بشكل رئيس إلى الوفيات المرتبطة بالمبيدات الحشرية، كانت قد حصلت بالتزامن مع زيادة استيراد المبيدات الحشرية عقب اعتماد سياسات اقتصادية منفتحة عام 1977.

ورغم عدم لَحظه كنزعة مشجعة، فقد بدأ معدل الانتحار في سريلانكا بالانخفاض التدريجي منذ عام 1995. 7 وأما عالمياً، فمعظم حالات الانتحار في البلدان منخفضة الدخل ومتوسطته تنتج عن التسمم بالمبيدات الحشرية.8 ويُقدّر أن 300 ألف شخص يموتون سنوياً في آسيا بسبب تناول المبيدات الحشرية.9 وتختلف كثيراً الطرائق المتبعة في تسميم الذات في البلدان عالية الدخل، فعادة ما تستخدم المسكنات والمهدئات وغيرها من العقاقير الطبية بجرعات مفرطة.10 وبالمقارنة مع المبيدات الحشرية فإن العديد من تلك الأدوية تعتبر غير سامة نسبياً.8 ومعدل إماتة الحالة المرتفع في التسمم بالمبيدات الحشرية (بالمقارنة مع جرعة دوائية مفرطة) هو عامل أساسي مساهم في الوفيات الناتجة عن حالات الانتحار في البلدان النامية.11،12

وفي ظل غياب ما يحد من توفر الوسائل المذكورة سابقاً، لم يُسجل اتباع طرائق بديلة في إيذاء الذات على نحو واسع (والمقصود هو التخلي عن إحدى الطرائق الشائعة في إيذاء الذات واستبدالها بأخرى). وعلى الرغم من أن التسمم بالمبيدات الحشرية هو سبب رئيس للوفاة في سريلانكا، كما هو الحال في العديد من البلدان النامية،8،13 فقد وُجد أن العقاقير الطبية هي أشيع المواد المستخدمة من قبل المرضى الذين ماتوا بتسميم أنفسهم ممن تم تحريهم في دار للرعاية الثالثية في مدينة كولومبو عام 2007. 14 لقد شرعنا في البحث في التغيرات الحديثة المتعلقة بطرائق إيذاء الذات في سريلانكا – وبالتحديد تلك التغيرات في الطرائق التي يتبعها الناس بهدف الانتحار – وتحري فيما إذا كانت تلك التغيرات تستطيع أن تفسر التراجع الجوهري في معدلات الانتحار.

الطرائق

تم جمع المعطيات خلال الفترة من عام 1995 وحتى 2009. وقد استخدمت هذه المعطيات المأخوذة من سجلات الشرطة السريلانكية في حساب معدلات الوقوع السنوية للانتحار. ولأنه يتم إجراء تحقيق قضائي في أسباب كل الوفيات المشبوهة في سريلانكا، يمكن اعتبار سجلات الشرطة المتعلقة بالانتحار شاملةً. جُمعت المعطيات الخاصة بالانتحار بأي طريقة، الانتحار بالتسمم والانتحار بأي طريقة غير التسمم. وحتى عام 2002، حيث دخلت فئة ترميز أخرى، بقيت أسباب عدد كبير من الوفيات المشبوهة تصنف ببساطة تحت عنوان «طرائق أخرى». ونظراً لكون نتائج دراسات سابقة قد أظهرت أن معظم الوفيات الناتجة عن «الطرائق الأخرى» كان سببها التسمم،6،15 فقد تم نسبها كاملة إلى التسمم في الدراسة التحليلية الحالية. كما استُخدمت إحصائيات الصحة السنوية من وزارة الصحة الوطنية كمصدر للمعطيات حول قبولات المشافي المتعلقة بالتسمم. وتم استخدام التقديرات السكانية في منتصف العام في سريلانكا لتحويل المعطيات التي تم الحصول عليها إلى معدلات وقوع سنوية، والتي عُبّر عنها في هذه المقالة بعدد حالات الانتحار أو قبولات المشافي المتعلقة بالتسممات لكل 100 ألف نسمة.

تضمنت سجلات وزارة الصحة معطيات عن المواد المستخدمة في كل حالة تسمم. ومنذ عام 1997 عمدت وزارة الصحة إلى تصنيف كل حالة تسمم بالاستناد إلى المراجعة العاشرة من التصنيف العالمي للأمراض (ICD-10).16 وفي دراستنا الحالية تم الفصل بين ثلاث فئات من طرائق تسميم الذات: التأثيرات السامة للمبيدات الحشرية (T60.0، T60.1، T60.9)؛ والتسمم بالمخدرات والأدوية والمواد البيولوجية (T36 - T50)؛ والتأثيرات السامة لمواد أخرى «غير طبية عموماً» بما فيها المذيبات ومشتقات الهالوجين والمواد الكاوية والمعادن والغازات والأطعمة (T51 - T59، T61، T62، T63 - T65).

التحليل الإحصائي

تم تحري نزعات معدلَيْ وقوع الانتحار والتسمم الذاتي باستخدام تحليل السلسلة الزمنية أحادي المتغير للمعطيات المسجلة، حيث وُضعت وفق نماذج نمو خطية ومن الدرجة الثانية وأُسية باستخدام الإصدار 14.0 من برنامج مينيتاب Minitab الإحصائي (Minitab Ltd،Country،England). وتم اختبار كفاية التصميم باستخدام متوسط خطأ النسبة المئوية المطلق (MAPE)، وهو قياس مدى تفاوت سلسلة تابعة عن مستواها المتنبأ به من النموذج. وبما أن متوسط خطأ النسبة المئوية المطلق مستقل عن الواحدات المستخدمة، يمكن استخدامه بمصدوقية لمقارنة سلاسل بوحدات مختلفة.

النتائج

النزعات في الانتحار

معدلات وقوع الانتحار السنوية بين عامي 1995 و2009 موضحة في الشكل 1. تشير الخطوط المرسومة إلى النزعة العامة ونزعات الانتحار بالتسمم أو بطرائق أخرى. لقد انخفض المعدل العام لأكثر من النصف: من ذروة بلغت 47.0 حالة انتحار لكل 100 ألف نسمة عام 1995 إلى 19.6 حالة لكل 100 ألف نسمة عام 2009 (ما يمثل انخفاضاً مطلقاً مقداره 27.4 حالة انتحار لكل 100 ألف نسمة). وباستخدام تحليل السلسلة الزمنية، تمت مطابقة نموذج أسي مع معدلات الوقوع السنوية لحوادث الانتحار (بأي طريقة) بين عامي 1995 و2009، والنزعة الموصوفة هي: Yt = 41.61 x 0.947t حيث تشير Yt إلى الوقوع السنوي (مقدراً بعدد حالات الانتحار لكل 100 ألف نسمة) وt تعبر عن الزمن (مقدراً بالسنوات). وقد كان هناك نقص واضح وهام في معدل الانتحار بمقدار 5.3% سنوياً.

الشكل 1. نزعات الوقوع السنوي للانتحار التام، سيريلانكا، 1995-2009

وبالنسبة للمواد المستخدمة في حالات الانتحار المرتبطة بالتسمم والمدرجة في سجلات قوات الشرطة الوطنية، فقد شملت كلاً من المبيدات الحشرية والحموض والسموم النباتية والعقاقير الطبية. أما وسائل الانتحار غير السمية المسجلة فتضمنت الشنق والغرق واستخدام الأسلحة النارية واستخدام المتفجرات والذبح والقفز من الأماكن المرتفعة وأخيراً القفز أمام المركبات المتحركة.

وأظهر تحليل النزعات الزمنية للانتحار بالتسمم انخفاضاً أسياً آخر في معدلات الوقوع: Yt = 33.72 x 0.925t إذ بلغ الوقوع السنوي لتلك الحالات 37.4 لكل 100 ألف عام 1995 ولكنه تناقص إلى 11.2 لكل 100 ألف في عام 2009 (بانخفاض مطلق قيمته 26.2 لكل 100 ألف).

لم تظهر طوال مدة الدراسة أية نزعة منهجية في معدلات وقوع الانتحار بطرائق غير التسمم، والتي تراوحت بين 8.2 و9.7 حالة لكل 100 ألف نسمة فقط. وهكذا يظهر لنا أن النقص في الوقوع العام لحوادث الانتحار في سريلانكا منذ عام 1995 قد نتج بشكل أساسي عن نقص عدد الوفيات الناتجة عن تسميم الذات، مع استمرار وقوع حوادث انتحار بطرائق أخرى بشكل أكثر أو أقل ثباتاً خلال فترة الدراسة.

تناقصت معدلات الوقوع السنوية لحالات الانتحار بالتسمم بالمبيدات الحشرية، وذلك من 10.1 حالة لكل 100 ألف في عام 1996 إلى 4.5 حالة لكل 100 ألف في 2009، وقد وُجد بأنها تتناسب مع نزعة من الدرجة الثانية (Yt = 10.35 + 0.032t – 0.033t2 ). كما تناقصت معدلات الوقوع السنوية لحالات الانتحار الناتجة عن التأثيرات السمية لباقي المواد غير الطبية خلال فترة الدراسة، ولكن النزعة هنا خطية (Yt = 2.71 – 0.13t). أما الوقوع الموازي لحالات الموت بتسميم الذات باستخدام المخدرات والأدوية والمواد الحيوية، فلم يُظهر أي نزعة واضحة خلال مدة الدراسة وتراوح عدد الحالات بين 0.26 إلى 1.92 حالة لكل 100 ألف نسمة.

النزعات في التسمم

النزعات في حالات التسمم المقبولة في المشافي، وفق سجلات وزارة الصحة، موضحة في (الشكل 2). وقد أظهر الوقوع السنوي لحالات التسمم المقبولة في المشافي، من أي نمط كانت، خلال مدة الدراسة نمواً أسياً (Yt = 210.28 x 1.02t )، إذ كان هناك زيادة في الوقوع من 204.8 قبولاً لكل 100 ألف نسمة عام 1995 إلى ذروة بلغت 321.2 قبولاً لكل 100 ألف نسمة عام 2007. كما أظهر حدوث الاستشفاء نتيجة التسمم بفعل المواد الطبية والحيوية أيضاً نمواً أسياً (Yt = 30.43 x 1.11t )، من 48.17 قبول لكل 100 ألف نسمة في عام 1996 إلى 115.39 قبول لكل 100 ألف في 2008. وبشكل مماثل، فإن قبولات المشافي العائدة للتأثيرات السمية لمواد أخرى «غير طبية عموماً» قد أظهرت زيادة أسية، من 72.11 لكل 100 ألف في 1996 إلى 110.68 لكل 100 ألف في 2008 (Yt = 74.55 x 1.022t ). بالمقابل، فإن الوقوع السنوي للاستشفاء الناتج عن التسمم بالمبيدات الحشرية خلال الفترة الزمنية نفسها قد تناقص بنموذج خطي (Yt = 106.58 – 1.32t)، من 105.14 قبول لكل 100 ألف في 1996 إلى 88.85 لكل 100 ألف في 2008.

الشكل 2. الوقوعات السنوية لقبولات المشفى بسبب التسمم بمختلف المواد، سيريلانكا، 1995-2009

إذا أخذنا ما سبق ككل، وافترضنا أن حالات إيذاء الذات، طوال فترة الدراسة، مثّلت نسبةً كبيرةً وثابتةً نسبياً من حالات التسمم المقبولة في المشافي، فإن المعطيات التي حصلنا عليها توحي بأن الزيادة الأسية في وقوع الأذيات الذاتية عن طريق التسمم في سريلانكا منذ منتصف التسعينات، تُعزى بشكل أساسي إلى زيادة استخدام السموم مثل المواد الطبية والحيوية ومواد صنفت حديثاً تحت اسم «مواد غير طبية عموماً»، بينما تناقصت الأذيات الذاتية الناتجة عن التسمم بالمبيدات الحشرية.

معدل إماتة الحالات

تم حساب معدلات إماتة الحالة، والمُعبّر عنها في هذه المقالة بعدد الوفيات لكل 100 ألف حالة قبول في المشفى، في كل سنة من سنوات الدراسة ولكل فئة من الفئات الثلاث الأساسية للمواد المستخدمة في تسميم الذات (الشكل 3). أظهر معدل إماتة الحالة لكل أنماط التسمم تناقصاً خطياً طيلة مدة الدراسة، بانحدار من 6.13 وفاة لكل 100 ألف حالة تسمم إلى 2.01 وفاة لكل 100 ألف حالة تسمم في عام 2008. ويمكن أن نعبر عن هذه النزعة بالمعادلة (Yt = 6.97 – 0.35t)، حيث Yt تعبر هنا عن معدل إماتة الحالة (مقدراً بعدد الوفيات لكل 100 ألف حالة) وt هي الزمن بالسنوات. وأيضاً تناقص معدل إماتة الحالة في التسمم بالمبيدات الحشرية وفق نزعة خطية (Yt = 11.18 – 0.37t)؛ حيث بلغ ذروة من 11.0 وفاة لكل 100 ألف قبول عام 1997 ومن ثم تناقص تدريجياً إلى 5.07 وفاة لكل 100 ألف قبول في 2008. أما معدل إماتة الحالة في التسمم بالعقاقير الطبية والمواد الحيوية فقد أظهر تناقصاً أسياً (Yt = 2.95 x0.89t )، من 1.81 وفاة لكل 100 ألف قبول في 1995 إلى 0.51 وفاة لكل 100 ألف قبول فقط وذلك في العام 2008. وبشكل مماثل، فإن معدل إماتة الحالة في التسمم «بالمواد غير الطبية عموماً» قد شهد تناقصاً أسياً خلال نفس مدة الدراسة (Yt = 3.6 x 0.91t ).

الشكل 3. معدلات إماتة الحالة السنوية بين أولئك المقبولين في المستشفى بسبب التسمم بالمبيدات أو المواد الدوائية الطبية/البيولوجية أو غيرها، المواد غير الطبية بشكل رئيس، سيريلانكا، 1995-2009

المناقشة

الموجودات الرئيسة

تُعتبر سريلانكا من الدول النامية القليلة التي استطاعت أن تحقق تناقصاً ثابتاً في معدلات الانتحار في الماضي القريب. وتشير موجوداتنا إلى أن الانخفاض الأسي المشاهد في معدلات الانتحار في سريلانكا منذ منتصف التسعينات، يُعزى بشكل كبير إلى تناقص حالات الموت نتيجة تسميم الذات، أما وقوع الانتحار بطرائق أخرى غير التسمم فبقي ثابتاً تقريباً. وخلال نفس الفترة الزمنية، تناقص الرقم السنوي لحالات الاستشفاء نتيجة التسمم بالمبيدات الحشرية، مما يدفعنا إلى القول بأن تناول المبيدات الحشرية بهدف إيذاء الذات قد أصبح أمراً أكثر ندرة. كما ازداد احتمال نجاة شخص تم قبوله في المشفى نتيجة التسمم بتناول المبيدات الحشرية. وعلى الرغم مما سبق، فإن تسميم الذات أصبح أكثر شيوعاً بشكل عام، رغم قلة تناول المبيدات الحشرية، وذلك لأن التسمم بجرعة مفرطة من الدواء أو بالمواد المصنفة باسم «غير طبية عموماً» قد أصبح أكثر تواتراً كوسيلة متبعة في إيذاء الذات.

تغيير نماذج إيذاء الذات والانتحار

هناك العديد من التوضيحات التي يجب أن تؤخذ بعين الاعتبار لتفسير تناقص حالات الانتحار العائدة للتسمم بالمبيدات الحشرية. ففي عام 1990، أوصت منظمة الطعام والزراعة FAO بالتخزين الآمن والسليم لكافة مستحضرات المبيدات الحشرية ومنع استخدام المبيدات عالية السمية.17 وتشير معطيات تم جمعها من دراستين سابقتين إلى أن تحريم سريلانكا للمبيدات الحشرية التي تندرج ضمن الصف الأول في تصنيف السمية وفق منظمة الصحة العالمية WHO (عام 1995)، وكذلك الإندوسلفان (1998)، قد يفسر الانخفاض في معدل إماتة الحالة في التسمم بالمبيدات الحشرية والتناقص في وقوع الانتحار.8،16 ونظراً لكون معدل إماتة الحالة الخاص بحوادث التسمم بغير المبيدات الحشرية قد انخفض أيضاً في سريلانكا، فهذا يمكننا من القول بوجود تحسن في التدبير الطبي لحالات التسمم، الأمر الذي ساهم أيضاً في إنقاص معدلات إماتة الحالة المرتبطة بالتسمم بالمبيدات الحشرية. ومنذ التسعينات، تم بذل الجهود لوضع دلائل إرشادية لتدبير حالات التسمم ونشرها في سريلانكا وتحسين وسائل تدريب الأطباء في هذا السياق. وهناك عوامل أخرى ساهمت بالتأكيد في تحسين فرص النجاة في حالات التسمم في سريلانكا منها زيادة توافر الترياقات في المشافي والتحسن في وحدات العناية المشددة والتحسن في شبكة الطرق وتسهيلات النقل (مما سمح بوصول أسرع إلى المشافي).

لم يُسجل في السابق تأثير تغير نماذج أذيات الذات على المعدل العام للانتحار في سريلانكا، ربما لأن هذا الأثر لم يظهر إلا في السنوات الثمان الماضية. فمنذ عام 2003 كان هناك تناقص في قبولات المشافي العائدة لفرط الجرعات الدوائية. ومنذ العام 2005، كان وقوع قبولات المشافي العائدة لفرط الجرعة الدوائية، وكذلك التسمم بالمواد الأخرى غير الطبية عموماً، أعلى مما هو عليه في حالات تناول المبيدات الحشرية. فعلى سبيل المثال، من بين العدد الكلي للقبولات المشفوية العائدة للتسمم عام 2008، كانت 36.64% من الحالات عائدة لتناول الأدوية والمواد الحيوية و35.15% بسبب تناول المواد الأخرى غير الطبية عموماً وفقط 28.21% من الحالات كانت نتيجة تناول المبيدات الحشرية. وهكذا فإننا نرى تبدلاً تدريجياً في طرائق إيذاء الذات في سريلانكا، مع زيادة في استخدام العقاقير الطبية، وهذا النموذج يُلاحظ بشكل أساسي في المجتمعات المتقدمة.

أما كيف ولماذا حصل هذه التغير فهو أمر يحتاج إلى المزيد من التقصي. لقد ورد بأن القبول الاجتماعي ومدى التوافر كانا العاملين الأساسيين في اختيار طريقة إيذاء الذات.13 وتظهر أهمية سهولة التوافر بشكل خاص في المحاولات غير المخطط لها والتي تحدث بشكل اندفاعي؛ فمن بين 82 مريضاً حاولوا الانتحار وتم استجوابهم في دراسة حديثة، كان 50% منهم تقريباً قد قالوا بوجود فاصل زمني لا يزيد عن 10 دقائق بين التفكير الأول بالانتحار وبين المحاولة الفعلية لتنفيذه.19

في سريلانكا، لم يتم فرض قيود واضحة على التوافر العام للمبيدات الحشرية خلال المدة التي تناقص فيها معدل وقوع حوادث الانتحار. وبقي استهلاك المبيدات الحشرية في سريلانكا هو نفسه تقريباً بين عامي 1995 و2000 .6،19 وفي الحقيقة فقد ازداد استيراد مستحضرات المبيدات الحشرية، حيث تم استيراد نحو 3460 و6210 طناً في عامي 2001 و2005 على الترتيب.20 لذلك نرى في سريلانكا أن التغير في سيطرة المواد المستخدمة بهدف تسميم الذات، من مواد قاتلة بشدة (المبيدات الحشرية) إلى مواد أخرى أقل إماتة نسبياً، هذا التغير قد حصل رغم عدم وجود قيود واضحة على التوافر العام للمبيدات الحشرية. في الماضي كان يُعتقد بأن معظم حالات الانتحار في سريلانكا هي نتيجة محاولات اندفاعية من قبل أشخاص نيتهم الفعلية في الانتحار منخفضة، لكنهم (ولسبب غير معروف) استخدموا طرائق ذات خطورة موت مرتفعة.8 من المحتمل بأنه، وبعد الانتشار الواسع لتسميم الذات بالمبيدات الحشرية (كوسيلة للانتحار أو الانتحار التظاهري) على مدى عدة عقود، فإن كون المبيدات الحشرية تمتلك قدرة إماتة عالية قد أصبح معلومة عامة، ولذلك فإن الأشخاص ذوي النية المنخفضة بالانتحار سوف يختارون مواداً أخرى، مثل العقاقير الطبية، لتسميم أنفسهم. ومن الجدير بالملاحظة ربما، أن نقص استخدام المبيدات الحشرية بهدف الإيذاء الذاتية لم يؤد إلى زيادة موازية في اتباع طرق أخرى مميتة عموماً مثل الشنق.

تم التبليغ عن استخدام الباراسيتامول وعقاقير طبية أخرى بجرعات مفرطة، بشكل أساسي في الدول المتقدمة، مثل أستراليا والدول الأوروبية والولايات المتحدة الأمريكية.21 وفي معظم البلدان المتطورة سُجلت حالات استعمال جرعات دوائية زائدة في المدن بشكل أساسي.22 ومن جهة ثانية، منذ التسعينات، فإن إقليم هونغ كونغ ذو الحكم الذاتي (SAR) وعدة بلدان آسيوية مثل ماليزيا وسينغافورة وفييتنام، كلها قد سجلت زيادة في استخدم العقاقير الطبية بهدف تسميم الذات والآن هذه هي الطريقة الأشيع في إيذاء الذات في المناطق المتمدنة في ماليزيا وفييتنام.23-30 ومع ذلك لم يكن هناك أي تقارير تبين حلول العقاقير الطبية محل المبيدات الحشرية كوسيلة مفضلة في إيذاء الذات. أما الانتشار السريع والواسع لطريقة جديدة في الانتحار ظهرت في الصين (إقليم هونغ كونغ والصين وتايوان) وهي حرق فحم الخشب لإنتاج مقادير مميتة من أول أكسيد الكربون، فقد عُزي إلى التغطية الواسعة لوسائل الإعلام.31 بالمقابل، فإن استخدام جرعات مفرطة من الباراسيتامول والعوامل الصيدلانية الأخرى في سريلانكا بهدف الأذى الذاتي، لم يحظ بتغطية إعلامية كبيرة ولذلك فإنه من المحتمل أن يكون تأثير النفوذ الإعلامي على استبدال طرائق الأذى الذاتي أصغرياً.

إن سبب التغيير في الطريقة الأساسية لإيذاء الذات في سريلانكا، من المبيدات الحشرية إلى مواد أخرى، لا يزال غير واضح. وكما ناقشنا سابقاً، فإن الأسباب المألوفة والتي من شأنها أن تُحدث تغييراً في طرائق الأذى الذاتي، مثل الحد من توافر وسائل الأذية أو الاهتمام الإعلامي الواسع، من المستبعد أن تكون قد لعبت دوراً كبيراً في ذلك. يمكن أن نلجأ إلى استخدام مناهج بحث نوعية لفهم هذا التغير الحاصل، كما يمكن للدراسات المستقبلية أن تبحث في التنوع الجغرافي داخل البلد فيما يتعلق بخيار الطرائق المستخدمة مما قد يساعدنا في الإجابة عن تساؤلنا السابق. وسيكون من المفيد أن نعرف فيما إذا كان وقوع حوادث الانتحار والطرائق المستخدمة في ذلك قد تغيرت في بلدان نامية أخرى كما هو الأمر عليه في سريلانكا. هذا وإن تحديد العوامل التي ساهمت في نقص استخدام المبيدات الحشرية كوسيلة لإيذاء الذات في سريلاكا، سيكون مفيداً في تطوير برامج مكافحة الانتحار.

إن النتائج التي توصلنا إليها في هذه الدراسة تحمل العديد من المقتضيات الصحية العمومية. وبسبب انخفاض الوقوع الوطني لحوادث الانتحار، فإن السلطات الإدارية والصحية في سريلانكا قد تتراخى في الجهود المبذولة لتنفيذ تدخلات بهدف الحد من حوادث إيذاء الذات. وقد أوضحت دراستنا التحليلية أنه، وعلى الرغم من هبوط أرقام الوفيات السنوية الناتجة عن التسممات منذ منتصف التسعينات، فقد ازداد وقوع الأذيات الذاتية بشكل مرعب. هناك حاجة لتحديد العوامل التي تؤدي إلى إيذاء الذات وكيفية التعامل معها. فعدد الأشخاص الذين يموتون نتيجة التسمم بالمبيدات الحشرية لا يزال يشكل رقماً مهماً، ويجب أن تستمر الجهود الهادفة لمنع حوداث تسمم مماثلة وبالتالي تعزيز الانخفاض في معدل إماتة الحالة المرتبط بها. بالإضافة إلى ذلك، فإن العاملين في الحقل الطبي في سريلانكا بحاجة إلى التدريب على التدبير الفعال لحالات التسمم بفرط الجرعات الدوائية.

محدّدات الدراسة

إن القصور الأساسي في دراستنا هو الشك في مضبوطية المعطيات. فالتبليغ عن الانتحار ناقصٌ في العديد من البلدان النامية. ومنظمة الصحة العالمية تصنف معطيات سريلانكا في الدرجة الثالثة (أيْ، تفتقر إلى العدالة).32 وكذلك فإن معطيات وزارة الصحة لا تأخذ بعين الاعتبار الأرقام الصغيرة نسبياً لحالات القبول المشفوية نتيجة جرائم التسمم أو حوادث التسمم غير المقصودة لكي يتم تمييزها وفصلها عن الحالات المقصودة لتسميم الذات، بالإضافة إلى أن هذه المعطيات متعلقة بالقبولات في المشافي الحكومية فقط. ومن المرجح أن أرقام القبولات في المشافي الخاصة والعائدة لحالات التسمم الذااتي هي أرقام صغيرة، مع ذلك لم تشملها دراستنا الحالية. ومن المرجح أيضاً أن المعطيات التي حصلنا عليها من شمال وشرق سريلانكا غير كاملة بسبب النزاع المسلح في تلك المناطق والذي كان قائماً خلال فترة الدراسة. وتم تصنيف العديد من حالات الوفاة الناتجة عن التسمم بالمبيدات الحشرية خطاً على أنها وفيات عرضية أو مجهولة الأسباب.5


تضارب المصالح:

لم يصرح بأي منها.

المراجع