مجلة منظمة الصحة العالمية

الزرنيخ في مياه الآبار الأنبوبية في بنغلاديش: الآثار والمقتضيات الصحية والاقتصادية المترتبة على التخفيف من مضار الزرنيخ

Sara V Flanagan a, Richard B Johnston b & Yan Zheng a

a. Lamont-Doherty Earth Observatory, Columbia University, Palisades, NY 10964, United States of America.
b. Eawag, Swiss Federal Institute of Aquatic Science and Technology, Dübendorf, Switzerland.

Correspondence to Yan Zheng (e-mail: yzheng@ldeo.columbia.edu).

(Submitted: 13 December 2011 – Revised version received: 12 August 2012 – Accepted: 20 August 2012 – Published online: 14 September 2012.)

Bulletin of the World Health Organization 2012;90:839-846. doi: 10.2471/BLT.11.101253

المقدمة

إن التعرض للزرنيخ خلال مياه الشرب من المياه الجوفية مشكلة صحية عمومية عالمية، ولها أثر مدمر في بنغلاديش على وجه الخصوص.1، 2 وفق معطيات مسح بين السنتين 2000 و2010، يقدَّر أن ما بين 35 و77 مليون شخص في بنغلاديش لديهم تعرض مزمن للزرنيخ من مياه الشرب، وقد وصف هذا التعرض بأنه أكبر تسمم جموعي في التاريخ.2، 3 يعتمد 97% من سكان المناطق الريفية على الآبار الأنبوبية4 التي تم تركيبها منذ سبعينات القرن العشرين للتقليل من الأمراض الناجمة عن شرب المياه السطحية المليئة بالعوامل الممرضة. للأسف، أدى ذلك إلى التعرض العالي للزرنيخ في الجمهرة مع قلة الإمكانيات والحوافز لطلب حلول بديلة لتأمين المياه الآمنة. تم كشف الزرنيخ في مياه الآبار أول مرة في التسعينات، حيث يتحرر الزرنيخ من الصخور الرسوبية نتيجة عمليات بيوجيوكيميائية تؤدي إلى بيئات اختزالية (إرجاعية).5، 6 إن الآبار الأنبوبية ذات الأسعار المعقولة نحو 100 دولار أمريكي تضخ المياه الجوفية المحتوية على الزرنيخ من أعماق قليلة 10-70 م.3 والمياه الجوفية من أعماق تزيد على 150 م تحوي عادةً تراكيز أقل من الزرنيخ،3 ويمكن استعمالها مصدراً مستديماً لمياه الشرب.7

للتعرض المزمن للزرنيخ في مثل هذه الجمهرة الكبيرة مقتضيات صحية ملموسة.2 تم اختبار 4.94 مليون بئر أنبوبي في كل أنحاء بنغلاديش لكشف الزرنيخ فيها بين 2000 و2003 وتصنيفها إلى آمنة وغير آمنة.8، 9 ومن تلك الفترة حقق تحويل الآبار نجاحاً جزئياً في خفض التعرض.10 ولكن استدامة التغييرات السلوكية الضرورية لتشارك الآبار على المدى الطويل أمر صعب التحقيق. عدا ذلك، المناطق المتأثرة بشدة ليس لديها خيارات مياه آمنة، وهي تحتاج إلى مصادر بديلة لمياه الشرب. إن المناطق التي تحوي تناسباً عالياً من الآبار غير الآمنة (أي الآبار التي يتجاوز تركيز الزرنيخ فيها 50 ميكروغرام/ليتر، وهو معيار مياه الشرب في بنغلاديش) هي في أغلب الأحيان نفس المناطق التي تعاني من أعلى التراكيز (والتي غالباً ما تتجاوز 200 مكغ/ل). وهذا يشير إلى أن التدخلات التي تستهدف المناطق ذات أعلى تناسبات للآبار غير الآمنة من المرجح أن تصل إلى الجمهرة المتعرضة لأعلى تراكيز من الزرنيخ، وبالتالي تلك التي تتعرض لأعلى اختطار للحصائل الصحية الضائرة.11 يتطلب تخفيف مشكلة المياه التي تحوي تراكيز عالية من الزرنيخ استثمارات ضخمة في البنية التحتية للإمداد بالمياه. تقدم هذه المقالة بينات على أن مثل هذا الاستثمار مبرر اقتصادياً إذا تم الأخذ في الحسبان الأعباء الصحية والاقتصادية للتعرض غير المخفف للزرنيخ.

التعرض للزرنيخ من مياه الشرب في 2009

شمل المسح العنقودي متعدد المؤشرات في بنغلاديش جمع مياه الشرب لاختبارها من أجل الزرنيخ من 15 ألف أسرة في كل أنحاء البلاد.11 قام التقرير الوطني لمسح جودة المياه بتقدير عدد الناس المتعرضين للزرنيخ بناء على تقدير عدد سكان بنغلاديش البالغ 164 مليون نسمة، وكان التخمين أن 22 مليون و5.6 مليون نسمة يشربون ماءً يحوي تراكيز زرنيخ >50 مكغ/ل و>200 مكغ/ل، على الترتيب. وحسب النتائج الأولية لتعداد السكان في سنة 2011، يبلغ عدد سكان بنغلاديش حوالي 142.3 مليون نسمة. وبناء على هذا الرقم، فعدد الناس الذين يشربون ماء يحوي تراكيز زرنيخ >50 مكغ/ل و>200 مكغ/ل يبلغ تقريباً 19 مليوناً و5 ملايين على الترتيب. قد نضطر إلى تنقيح هذه التقديرات نحو الزيادة بعد إصدار النتائج النهائية لتعداد السكان في سنة 2011. لوحظ أن تناسب عينات الماء ذات تراكيز زرنيخ أعلى من الحدود المسموح بها أقل في المسح العنقودي متعدد المؤشرات منه في المسوح الوطنية السابقة للآبار، مما يشير إلى تقدم هام في جهود التخفيف (الجدول 1)، مع أن الفروق في جمع العينات (مثلاً مياه الشرب في المنزل مقابل المنبع) يمكن أن تفسر هذا الفرق أيضاً.11

نمذجة الوفيات المتعلقة بالزرنيخ

يرتبط التعرض المزمن للزرنيخ مع طيف من الحالات المتعلقة بالجرعة، بما فيه سرطانات الجلد والمثانة والكلية والرئة،12-14 بالإضافة إلى آفات جلدية وفرط ضغط الدم الشرياني والأمراض القلبية الوعائية وأمراض الرئة وأمراض الأوعية المحيطية والسكري واعتلال الأعصاب.2 تبين في بنغلاديش أن اختطار الموت من تناول الزرنيخ في مياه الشرب يعتمد على مستوى التعرض للزرنيخ.15، 16 حلل فريق Sohel معطيات البقيا للفترة 1991-2000 من نظام الترصد الصحي والديموغرافي الذي يغطي 115903 شخصاً في ماتلاب (الجدول 2). وبعد التصحيح لعوامل الخلط المحتملة كالعمر والجنس والمستوى التعليمي وحرز الممتلكات (كمؤشر لغنى الأسرة) وجدوا أن التعرض للزرنيخ في مياه الشرب مسؤول عن وفيات زائدة كبيرة بين البالغين في ريف بنغلاديش.15

بينت الدراسة الطولانية للتأثيرات الصحية للزرنيخ16 التي قامت بمتابعة حشد من 11746 شخصاً في ناحية أرايهازار من تشرين الأول/أكتوبر 2000 حتى شباط/فبراير 2009 أن التعرض للزرنيخ يترابط بزيادة اختطار الموت (الجدول 3). ومع أن فريقَي Argos وSohel وجدا زيادة اختطار حتى في مستويات التعرض المنخفضة (10-50 مكغ/ل)، من المحتمل أن التعرض التاريخي لتراكيز تفوق 50 مكغ/ل قد أدى إلى تحيز.17 ومن أجل خفض خطر التحيز تم استعمال الجمهرة المتعرضة لتراكيز 0-10 مكغ/ل كمجموعة مرجعية، ولكن نتيجة اللايقين في قصة التعرض مدى العمر في كلتا الدراستين من المحتمل أن تخصيص فئات التعرض لم يكن صحيحاً، لا سيما في الجرعات الدنيا. حاول فريق Sahel إنشاء تاريخ التعرض لكل فرد، لكنه لم يستطع تحديد ذلك بالنسبة لمن ماتوا قبل الدراسة. وعدا ذلك وجد فريق Sahel أن نسبة المخاطر أعلى بالنسبة لجميع الوفيات بغير الحوادث منها لأي واحد من أسباب الوفاة المتعلقة بالزرنيخ، أي السرطانات والمشاكل القلبية الوعائية والعدوى، في مستويات التعرض 10-50 مكغ/ل (الجدول 2)15 ما يشير إلى أن هناك عوامل أخرى غير التعرض للزرنيخ يمكن أن تكون قد أثرت على النتائج. ومع أن نسب المخاطر في هذه الدراسات فيها لايقين يتطلب المزيد من البحوث، استعملناها لتقدير الوفيات المتعلقة بالزرنيخ في بنغلاديش لأنها خير المعطيات الموجودة.

ومن أجل تقدير أثر التعرض للزرنيخ على الوفيات في بنغلاديش حسبنا الوفيات الزائدة من الاختطار المقدر للموت (المخاطر) بين البالغين في كل فئة من فئات التعرض للزرنيخ (الجدول 2 والجدول 2). قدم مسح جودة مياه الشرب خلال المسح العنقودي متعدد المؤشرات لسنة 2009 تقديرات تعرض السكان.11 ومن جزء الجمهرة المنسوب قدّرنا العدد السنوي للوفيات لكل منطقة باستخدام عدد السكان البالغين فيها (بناء على تعداد السكان والتوزع العمري من المسح الصحي والديموغرافي في بنغلاديش في سنة 2007)18 مع تقدير معدل الوفيات الخام. وبما أن بنغلاديش لا يوجد فيها نظام فاعل للسجلات الحياتية، استخدمنا معدل الوفيات الخام للبالغين (>15 سنة من العمر) قدره 8.5 وفاة لكل 1000 من السكان، وهذا العدد يستند إلى تقديرات الوفيات من قبل منظمة الصحة العالمية19 ويتفق مع مشاهدات نظام الترصد الصحي والديموغرافي للمركز الدولي لبحوث أمراض الإسهال في بنغلاديش في ماتلاب ومع معدلات الوفيات الخام في بلدان أخرى من جنوب آسيا.

وباستخدام نسب المخاطر للوفيات بغير الحوادث من فريق Sohel. أجرينا نمذجة للوفيات الزائدة لجميع المناطق وحصلنا على مجموع سنوي يقارب 43 ألف وفاة، ما يمثل نحو 5.6% من جميع الوفيات، منسوبة إلى التعرض المزمن للزرنيخ بمستويات التعرض الحالية (الجدول 4). وبناء على نسب مخاطر الموت النوعية للسبب من فريق Sohel فإن نحو 1 من 16 وفاة بالسرطان و1 من 36 وفاة بالأمراض القلبية الوعائية و1 من 19 وفاة من العدوى يمكن نسبها إلى التعرض للزرنيخ. استعملنا نسبة المخاطر للوفيات بغير الحوادث من دراسة فريق Sohel. لأن نسبة المخاطر من فريق Argos من أجل مستوى التعرض 10-50 مكغ/ل غير معقولة لأنها غير معتدة بمستوى اعتداد 0.05 وأعلى منها في مستوى 50-150 مكغ/ل وتتنبأ بما يقارب ضعفي الوفيات الزائدة مقارنة بمعطيات فريق Sohel. (الجدول 5). ومن الملفت للنظر أنه بموجب أي من هاتين الدراستين تمثل الوفيات الزائدة بين الناس المتعرضين لتراكيز الزرنيخ 10-50 مكغ/ل (أي دون المعيار الوطني) ما بين 45% و62% من جميع الوفيات المتعلقة بالزرنيخ. ولكن من المحتمل أن تناسباً من السكان الذين يقعون حالياً في فئة تعرض 10-50 مكغ/ل قد تعرضوا لتراكيز زرنيخ أعلى في الماضي، لذا لديهم خطر موت أعلى نظراً لتعرضهم السابق لا الحالي. وفي ضوء هذا استخدمنا العدد الكلي للوفيات المنسوبة للزرنيخ، أي نحو 43 ألف وفاة سنوياً، من أجل تقدير الأثر الاقتصادي، وذلك لأنه يعكس بدقة أكبر التعرض الكلي، الماضي والحالي.

المقتضيات الاقتصادية

قدّرنا الخسائر الاقتصادية الناجمة عن عبء الوفيات المتعلقة بالزرنيخ بحساب الإنتاجية المفقودة بالنسبة لنصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي. وفق تقديرات صندوق النقد الدولي، بلغ نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي في سنة 2009 في بنغلاديش 1465 دولار معادل للقوة الشرائية. بافتراض النمو الاقتصادي الثابت وخسارة 10 سنوات من الإنتاجية في المتوسط لكل وفاة منسوبة للزرنيخ، يمكن أن تؤدي الوفيات المتعلقة بالزرنيخ خلال العشرين سنة القادمة في بنغلاديش (وفاة واحدة من كل 18 وفاة) إلى خسارة 12.5 مليار دولار بافتراض أن التعرض للزرنيخ (>10 مكغ/ل) سيبقى في مستوى سنة 2009. أجرينا هذا التقدير باستخدام نسب المخاطر من فريق Sohel ومعدل حسم قدره 5%.20 أسسنا افتراضنا على خسارة 10 سنوات من الإنتاجية لكل وفاة منسوبة للزرنيخ على خسارة الإنتاجية نتيجة الوفيات من أنماط السرطانات المتعلقة بالزرنيخ، وقد يكون هذا الافتراض محافظاً لأن إمكانيات الرعاية الطبية في بنغلاديش محدودة. في الولايات المتحدة الأمريكية يفقد شخص متوسط مات بالسرطان 15.4 سنة من عمره، ومن أجل الأنماط الأربعة من السرطانات المرتبطة بالتعرض للزرنيخ (الجلد والمثانة والكلية والرئة) تتراوح الخسارة المتوسطة بين 11 و18 سنة.2، 21 ومع أن مأمول الحياة في الولايات المتحدة أعلى منه في بنغلاديش، فإن تناسب العمر الذي يقضيه المرء وهو يعمل أعلى في بنغلاديش على الأغلب، ولهذا يترجم فقدان الحياة في بنغلادايش إلى خفض أعلى للإنتاجية مدى العمر. وبما أن خسارة الناتج المحلي الإجمالي المنسوبة إلى الوفاة لا تأخذ في الحسبان التكاليف الصحية أو التكاليف الأخرى على المجتمع، فهي على الأغلب تبخس تقدير العبء الاقتصادي الكامل. ومن المتوقع أن ينمو هذا العبء بنمو البلد وزيادة مأمول العمر، كما سيزداد عبء المراضة بتحسن الاختبارات التشخيصية وتوافر طرائق علاجية أفضل تطيل أعمار المصابين بأمراض مزمنة متعلقة بالزرنيخ، ومعها تزداد تكاليف الرعاية الصحية.

عواقب تأجيل الاستجابة

سوف تزداد الأمراض والوفيات المرتبطة بالزرنيخ في بنغلاديش في المستقبل لأن طور الكمون بعد التعرض يمتد عدة عقود.2 تشير دراسات التعرض المزمن للزرنيخ في الرحم والطفولة الباكرة إلى زيادة اختطار فقد الجنين ووفيات الأطفال وانخفاض وزن الولادة واختلال الوظيفة المعرفية عند الأطفال، بالإضافة إلى زيادة ملموسة في اختطار اختلال وظائف الرئة وسرطان الكلية والوفاة من سرطان الرئة والأمراض الرئوية واحتشاء عضل القلب الحاد لاحقاً.22-26 وبما أنه قد نما جيل كامل خلال التعرض للزرنيخ، فقد يصبح بعض الأطفال «يتامى الزرنيخ» مع إصابة أوليائهم بالأمراض المرتبطة بالزرنيخ. ومن المحتمل أن يتعرض هؤلاء الأطفال للزرنيخ أيضاً مما يؤدي إلى استمراراية حلقة الأمراض المرتبطة بالزرنيخ.

من المهم أيضاً دراسة أثر التعرض للزرنيخ على الأطفال الذين لم يولدوا بعد والذين ستتأثر صحتهم في المستقبل بتركيز الزرنيخ في المياه التي يبدأون بتناولها وهم في الرحم، كما تبينه عدة دراسات.22-27 ندرس ثلاثة سيناريوهات لتعرض السكان للزرنيخ بتراكيز >50 مكغ/ل: في السيناريو الأول، وهو الأسوأ، التعرض ثابت ويبدأ في سنة 2000؛ في السيناريو الثاني، وهو الأفضل، يتم التخلص من التعرض بحلول سنة 2010؛ وفي السيناريو الثالث، وهو الواقعي، ينخفض التعرض بقدر 13% بحلول سنة 2010 (كما لوحظ في المسح العنقودي متعدد المؤشرات 2009)، ويتم التخلص منه تماماً بحلول سنة 2030. كيف ستؤثر هذه السيناريوهات على أطفال اليوم في المستقبل؟ يتراوح تناسب الوفيات المنسوبة للزرنيخ في النهاية بتراكيز تفوق المعيار الوطني في كل أترابية من صفر بالمئة عندما يتم التخلص من التعرض للزرنيخ في مياه الشرب بتراكيز >50 مكغ/ل في السنة الموافقة إلى 5.8% إذا بقي التعرض مساوياً للتعرض في سنة 2000. إجمالاً لن ينسب سوى 1.1% من الوفيات إلى الزرنيخ في النهاية في أترابيات 2000-2030 لو تم التخلص من التعرض للزرنيخ بتراكيز<50 مكغ/ل بحلول 2010. ولكن لو تبقى مستويات التعرض خلال 2000-2030 بمستويات 2000 سيكون 5.8% من الوفيات منسوبة للزرنيخ في النهاية في أترابيات 2000-2030. يقع السيناريو الأكثر ترجيحاً بين السيناريوهين السابقين: لو تم التخلص من التعرض للزرنيخ بتراكيز <50 مكغ/ل بحلول سنة 2030، فسينسب 2.4% من الوفيات المستقبلية في الأترابية للزرنيخ. ولدى تحويل هذه الأعداد إلى أعداد مطلقة، إذا ولد نحو 90 مليون طفل بين 2000 و2030، سينسب بين مليون وخمس ملايين من وفياتهم للتعرض لتراكيز الزرنيخ فوق المعيار الوطني، حسب سيناريو التعرض. يبين هذا التمرين أن أي انخفاض في تعرض السكان للزرنيخ سيؤدي إلى انخفاض المراضة والوفيات المرتبطة بالزرنيخ بين الأطفال الذين لم يولدوا بعد. وبالمثل، فإن حالات الفشل في المحافظة على التقدم في التخفيف من مضار الزرنيخ سيؤدي إلى وفيات كان من الممكن اتقاؤها بين أعضاء الأجيال المقبلة. ولكن بما أن هناك لايقين واختلاف فردي في التعرض للزرنيخ، ونتيجة طول طور الكمون قبل بداية المرض، تبقى هذه التحاليل كيفية، وفي أفضل الأحوال نصف كمية.

استراتيجية التخفيف

وفق هذا النموذج، منطقة كوميلا هي المنطقة ذات أعلى عدد وفيات مرتبطة بالزرنيخ: 3748 وفاة في سنة 2009، لأن الكثير من الناس هناك يتعرضون لتراكيز عالية من الزرنيخ (الجدول 4). الخسائر الناتجة في الإنتاجية يمكن أن تصل إلى 1.1 مليار دولار خلال 20 سنة قادمة في كوميلا وحدها.20 توفير المياه الآمنة لسكان المنطقة بتركيب نقاط مياه لما لا يزيد على 50 شخصاً لكل نقطة بالإضافة إلى شبكات مياه مجتمعية صغيرة تخدم بضعة مئات من الأسر سيكلف نحو 44.2-49.2 مليون دولار أمريكي حسب تقانة الإمداد بالمياه.20 وهذا لا يشكل سوى جزءاً يسيراً من الخسائر الاقتصادية التي ستنجم عن استمرار التعرض للزرنيخ، والمنافع الصحية للأجيال المقبلة لا تحصى. ورغم ارتفاع تكاليف رأس المال، تفوق منافع الاستثمار الفوري في إمدادات بمياه محسنة التكاليف بأضعاف. ويجب توجيه اختيار تقانة تخفيف مضار الزرنيخ باستدامتها وملاءمتها لأوضاع محددة.20

قطاع المياه في بنغلاديش بحاجة ماسة إلى إيجاد طريقة مستدامة لتوفير مياه آمنة في المناطق ذات التعرض العالي للزرنيخ وبناء القدرات لإجراء اختبارات محلية للزرنيخ في الماء لأغراض الترصد.28 وبما أن المشاكل الصحية المرتبطة بالتعرض للزرنيخ تتصف بعلاقة الجرعة الاستجابة، يمكن تكبير المنافع الصحية العمومية لإمدادات المياه الجديدة والآمنة باستهداف المناطق الأكثر تلوثاً (أي بتراكيز >200 مكغ/ل) أولاً. وهذه المناطق هي عادةً نفس التي فيها أعلى تناسبات الآبار ذات تراكيز الزرنيخ >50 مكغ/ل. نجحت وزارة هندسة الصحة العمومية في بنغلاديش وصندوق الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسيف) في زيادة إتاحة المياه الآمنة في كوميلا بحصة الفرد من التكلفة قدرها 11 دولاراً باتباع هذا الأسلوب. يمكن تحقيق التغطية الكاملة لمنطقة كوميلا بالمياه الآمنة باستثمار 32 مليون دولار إضافي. وبفضل توفير نقاط المياه الآمنة في المجتمعات تحت الخطر بالإضافة إلى تثقيف العموم وتعبئة المجتمع تزايد تناسب السكان الذين يشربون مياه آمنة من الزرنيخ تزايداً ثابتاً من 75% في سنة 2007 إلى 81% في سنة 2009. 29 ولكن في مناطق الشاهد تناقص هذا التناسب من 93% في سنة 2007 إلى 83% في سنة 2009، وربما يعود ذلك إلى الاستمرار بتركيب آبار أنبوبية سطحية جديدة ورخيصة، ولأن الالتزام بالتحول إلى الآبار الجديدة تضاءل مع تلاشي الذكريات عن نشاطات زيادة الوعي حول الزرنيخ. تم تحقيق أفضل مستويات التحسن بين أفقر شريحة خمسية في مناطق التدخل ما يشير إلى نجاح استهداف الذين يعيشون في فقر أو فقر مدقع.

تبين هذه الأمثلة أن الإنجازات الماضية يمكن أن تضيع إن لم تكن جهود التخفيف من مضار الزرنيخ مستدامة. لقد اهترأت العلامات على الآبار من حملات الاختبار الماضية الآن، فتلاشت الدوافع لتعزيز المياه الآمنة من الزرنيخ. إن أسلوب الاختبار الشامل من القمة إلى القاعدة المتبع في الماضي لم يترك بنى تحتية لرصد الآبار الموجودة أو اختبار الآبار الجديدة.30 بناء القدرات المحلية على اختبار الزرنيخ سيؤدي إلى استدامة الوعي في المناطق ذات التعرض العالي للزرنيخ ويعطي الناس سيطرة أكثر على إمدادات المياه، مع أن الأمر يتطلب تشكيل عرف اجتماعي يقضي باختبار مياه الآبار دورياً. لقد ثبت أن تنفيذ نظام اختبار محلي مأجور فعال في دفع الأسر لفحص الآبار ويقوّي التزام المجتمع المحلي بالقيام بتدابير التخفيف من مضار الزرنيخ. يمكن تيسير الامتثال للمقياس الوطني للزرنيخ عن طريق تمكين الناس من معرفة الآبار المحلية الملوثة والآمنة31 والتوفير الاستراتيجي لنظم الإمداد بالمياه الجديدة للجمهرات الأكثر تعرضاً للزرنيخ. لن يكون التقدم متعادلاً، إذ سيكون أصعب في بعض المناطق من بعضها الآخر.32 إن المقبولية الاجتماعية والاستدامة عاملان حاسمان يجب دراستهما لدى الاختيار بين استراتيجيات التخفيف من مضار الزرنيخ بالإضافة إلى تكاليف التقانة المطلوبة.20 مثلاً، تقانات إزالة الزرنيخ من المياه الملوثة قد تكلف أكثر بأربعة أضعاف خلال 20 سنة من تقديمها مقارنة بتأمين مياه آمنة من مصادر أخرى، كما أنها تحتاج إلى صيانة مستمرة. وبالتالي، فإن التقانات التي تتجنب التلوث بالزرنيخ أفضل على المدى البعيد من حيث فعالية التكلفة من تلك التي تزيله من المياه الملوثة.33

الاستنتاج

يحتم التعرض الجاري للزرنيخ في مياه الشرب في بنغلاديش القيام بجهود مجددة ومستدامة. يمكن التخلص من التعرض للزرنيخ بحلول سنة 2030 لو استثمرت الحكومة جزءاً يسيراً من نمو الناتج المحلي الإجمالي في الإمداد بالمياه الآمنة من الزرنيخ وتحسين نشاطات رصد وترصد جودة المياه. سيلاحظ الانخفاض في الوفيات المرتبطة بالزرنيخ خلال ما يقارب 40 سنة وفق المشاهدات في جمهرات ذات تعرض مماثل في تشيلي والصين وتايوان (الصين)، حيث بدأت الوفيات المرتبطة بالزرنيخ في الانخفاض تدريجياً بعد 20-25 سنة من الابتداء بالتدابير الرامية إلى خفض التعرض، وانخفضت الوفيات من داء القلب الإكليلي أسرع.24، 34-37 يمكن أن يعاني الجيل الحالي من التأثيرات الخافية للتعرض للزرنيخ مدى العمر حتى بعد التحول إلى مصدر مياه آمن، ولكن في الأجيال القادمة ستصبح الأمراض والوفيات المنسوبة للزرنيخ أمراً من الماضي. ولكن، من جهة أخرى، إذا ترك التعرض المزمن للزرنيخ على مستوى الجمهرة كما هو بلا تدابير أو أصبح أسوأ بسبب نمو السكان واتساع تركيب الآبار الأنبوبية الخاصة، ستعاني الأجيال القادمة من تكاليف صحية وإنتاجية هائلة. ويمكن أن تمنع التدخلات المناسبة والاستثمارات القوية حدوث هذا السيناريو.


الشكر والتقدير

هذه المقالة تعكس آراء مؤلفيها فقط وليس آراء اليونيسيف. يشكر المؤلفون Astrid van Agthoven وSyed Adnan Ibna Hakim وMi Hua وDeqa Ibrahim Musa وHans Spruijt وSiping Wang من اليونيسيف في بنغلاديش، وكذلك مكتب بنغلاديش للإحصاء ووزارة هندسة الصحة العمومية. أجري هذا العمل عندما كان جميع المؤلفين يعملون لدى فرع المياه والإصحاح البيئي في اليونيسيف في بنغلاديش. يعمل Yan Zheng حالياً في Queens College في City University of New York.

التمويل:

قامت UKAid واليونيسيف وحكومة بنغلاديش بتمويل مشروع SHEWA B ومسح جودة المياه في المسح العنقودي متعدد المؤشرات.

تضارب المصالح:

لم يبلغ عن أي منها.

المراجع