مجلة منظمة الصحة العالمية

التعرض للرصاص من التربة في بلدات التعدين البيروفية: تقدير وطني مدعوم بمثالين متباينين

Alexander van Geen a, Carolina Bravo b, Vladimir Gil c, Shaky Sherpa d & Darby Jack b

a. Lamont-Doherty Earth Observatory of Columbia University, Route 9W, Palisades, New York, NY, 10964, United States of America (USA).
b. Mailman School of Public Health, Columbia University, New York, USA.
c. Center for Environmental Research and Conservation, Columbia University, New York, USA.
d. Center for International Earth Science Information Network, Columbia University, Palisades, USA.

Correspondence to Alexander van Geen (e-mail: avangeen@ldeo.columbia.edu).

(Submitted: 18 April 2012 – Revised version received: 28 August 2012 – Accepted: 30 August 2012 – Published online: 10 October 2012.)

Bulletin of the World Health Organization 2012;90:878-886. doi: 10.2471/BLT.12.106419

المقدمة

لا يزال الأطفال والبالغون يتعرضون روتينياً لمستويات عالية جداً من الرصاص في البلدان النامية، لا سيما في مناطق ذات تاريخ طويل للتعدين، مثل جبار الآنديز.1-4 تركز هذه الدراسة على بيرو التي تقع في المرتبة الخامسة عالمياً في إنتاج الفضة والزنك والرصاص والنحاس5 ولديها تاريخ طويل مليء بالنزاعات للتعدين.6 من المحتمل أن التعرض للرصاص في بيرو يستمر رغم عدد من الحالات الوخيمة المشهورة7 نتيجة أهمية الدخل الحكومي من التعدين وضعف القوانين وغياب المعلومات عن التلوث وشعور بأن تكلفة التدخلات قد لا يمكن تحملها. تنطلق هذه الدراسة من أن الكثير من الحالات الفاضحة لتعرض الأطفال للرصاص المرتبط بالتعدين في بيرو، وربما أغلبها، يمكن تجنبها بتكاليف زهيدة نسبياً عن طريق موضعة النقاط الساخنة للرصاص في التربة في بلدات التعدين التي يعالج فيها الخام حالياً أو عولج في الماضي، فقد تبين أن التدخلات التي أجريت حول المناجم ومعامل معالجة الخام والمصاهر في أنحاء العالم الأخرى تخفض تعرض الأطفال للرصاص بشكل حاسم.8-11

يعود استغلال الطبقات الغنية بالمعادن في الآنديز إلى عصور ما قبل الاستعمار.12 كان التركيز حينها على الفضة، وبقي كذلك خلال عصر الاستعمار الإسباني. وكان للاستخدام الواسع للزئبق لاستخراج الفضة من خلال عملية الملغمة بلا شك أثر ملموس، ولو أنه موضعي، على صحة العمال.13، 14 ولكن الأهمية الكامنة لمخلفات المناجم بعد فصل الخام الأكثر تركيزاً قد لا تقل عما سبق، لا سيما باعتبار تأثيرها التراكمي. هذه المخلفات غنية بالرصاص، وشكلت على مر القرون ترسبات من الفضة والنحاس والزنك والرصاص في كل أنحاء الإقليم. في الحاضر، عند البدء بتشغيل منجم جديد، تحاول شركة التعدين تقليل الاختطار بشراء الأراضي المحيطة به؛ أما في الماضي فكانت التجمعات السكنية تتشكل عادةً قرب المنجم، والمساكن تبنى فوق مخلفات المنجم.15 في مثل هذه الأماكن لا يزال شائعاً أن يتعرض الأطفال إلى كميات ضخمة من الرصاص وهم يلعبون فوق التراب الملوث به أم من الغبار الملوث بالرصاص في بيوتهم.10، 16-19 ولا يوجد في بيرو حالياً معايير محتوى الرصاص في التربة.

ترتكز هذه الدراسة على الافتراض أن تلوث التربة بالرصاص يتوزع بصورة متغايرة، وبالتالي قد يختلف مستوى التلوث على مسافة بضعة كيلومترات من إحدى العمليات المتعلقة بالتعدين اختلافاً عظيماً عن منطقة قريبة من عملية أخرى. ولو توفرت خرائط مناسبة محلياً لأمكن حمل الأطفال، وهم الفئة التي تقع تحت خطر عالٍ لابتلاع التراب أثناء اللعب، على تجنب أكثر المناطق تلوثاً.20 وكان هدفنا هو تقييم المنافع المحتملة لمثل هذا التدخل على المستوى الوطني بإجراء تحليل مكاني لعمليات التعدين في بيرو وفق كثافة السكان. حسب علمنا، لم تجر أي دراسات مماثلة سابقاً. عدا ذلك، أجرينا مسوحاً للتوزع المحلي للرصاص في التربة في موقعين من أجل توضيح السيناريو منخفض الاختطار ومرتفع الاختطار. ركزت الدراسة على التلوث بالرصاص المرتبط باستغلال ترسبات الخامات متعددة المعادن، بما فيه الخامات الحاوية على الذهب، وبالتالي استبعدت التلوث المرتبط بإنتاج الإسمنت وغيرها من نشاطات استخراج المعادن التي قد يكون لها هي الأخرى تأثير ملموس على الصحة.

الطرائق

حصلنا على الإحداثيات الجغرافية لـ7996 موقعاً ترتبط بأربعة أنماط من النشاطات المتعلقة بالتعدين: (أ) 113 منجماً من مستوى صناعي قيد العمل في سنة 2009؛ (ب) 138 معمل معالجة الخامات؛ (جـ) 3 مصاهر؛ (د) 7743 «موروثاً» لنشاطات تعدينية ماضية. وبما أنه لم تكن أي واحدة من تجميعات المعطيات شاملة، فقد تم الحصول على المعلومات من عدة مصادر (الملحق A، متاح على الرابط http://www.ldeo.columbia.edu/~avangeen/mining). لا يشمل التحليل المناجم البدائية غير الموثقة أو النشاطات المتعلقة بالتعدين غير الرسمية وغير المبلغ عنها، مع أنها يمكن أن تكون هي الأخرى مصادر كبرى للتعرض للرصاص.11

التحليل المكاني

تم إدخال التفاصيل عن المواقع الـ7997 بما في ذلك خصائصها إلى جدول ممتد (الملحق B، متاح على الرابط http://www.ldeo.columbia.edu/~avangeen/mining)، وتم تمثيلها على خريطة باستخدام برمجيات ArcGIS (esri، ريدلاندز، الولايات المتحدة الأمريكية) ونظام الإحداثيات الجغرافية GCS WGS 1984. تم إنشاء دائرة نصف قطرها 5 كم حول كل موقع، سميت «المنطقة الحدودية المحيدة»، وتم دمج الدوائر إذا حدث تراكب بينها. تمثل دائرة نصف قطرها 5 كم حلاً وسط، ففي بعض الحالات قد يبالغ في تقدير السكان المتعرضين لأن التلوث لم يمتد لمسافة 5 كم من العملية المتعلقة بالتعدين، بينما في حالات أخرى قد يبخس تقديره لأن المواقع والنشطة في الحاضر أو النشطة في الماضي لم يبلغ عنها. تم تحويل المعطيات عن مواقع فردية والمناطق الحدودية المحيّدة المدمجة إلى ملفات كمبيوتر ذات لاحقة kmz (الملحق C، متاح على الرابط http://www.ldeo.columbia.edu/~avangeen/mining) ليمكن مشاهدتها على برنامج Google Earth (Google Inc.، مينلو بارك، الولايات المتحدة الأمريكية).

تم الحصول على المعطيات حول حجم السكان المقدَّر في بيرو في سنة 2000 من مشروع الخرائط الحضرية الريفية العالمي النسخة 1 (GRUMPv1)، وهو يتوفر بدقة 30 ثانية زاويّة، أي نحو 1 كم عند خط الاستواء من CIESIN (مركز الشبكة الدولية لمعلومات علوم الأرض، باليساديس، الولايات المتحدة الأمريكية).21 تم استيراد المعطيات إلى ArcGIS بهيئة شبكة. بالإضافة إلى ذلك، تم إنشاء طبقة معطيات السكان من GRUMPv1 من أجل بيرو بهيئة ملف kmz (الملحق C) لمقارنته مع مواقع عمليات التعدين في Google Earth. تم تقدير عدد السكان القاطنين في منطقة حدودية محيدة ذات نصف قطر 5 كم باستخدام طريقة الطبقات الناحيّة في ArcGIS: تم حساب عدد السكان المتعرضين في كل منطقة حدودية محيدة باستخدام حساب السكان في الشبكة النقطية بتعريف المناطق الحدودية المحيّدة ذات نصف قطر 5 كم على أنها نواحٍ.

المسوح المحلية للرصاص في التربة

تم انتقاء موقعين متباينين لتوثيق التغاير المكاني للتلوث بالرصاص في التربة السطحية: بلدة التعدين التاريخية سيرو دي باسكو الواقعة على ارتفاع 4400 م فوق سطح البحر في الآنديز عدد سكانها 70 ألف نسمة، ومنجم ومعمل معالجة الخام أحدث قرب وارال الواقعة على ارتفاع 150 م فوق سطح البحر تبعد بضعة كيلومترات عن المحيط الهادي سكانها 160 ألف نسمة.

تشير سجلات الترسبات في البحيرات أن المعادن الثقيلة من تعدين وصهر الخامات الحاوية للفضة في سيرو دي باسكو كانت تنطلق في الجو منذ 1400 سنة على أقل تقدير.12، 14 وفي العقد الأول من القرن التاسع عشر ازداد ترسب الرصاص والزئبق من المصاهر زيادة حادة بسبب نمو سويداد ريال دي ميناس، وهذا أحد الأسماء التي اشتهرت البلدة بها. وصل الترسب إلى ذروته في خمسينات القرن العشرين بعد أن اشترت United States Cerro de Pasco Investment Co. مناجم النحاس والزنك. لاحقاً تم تأميم المناجم واستغلالها من قبل تكتّل Centromin حتى سنة 1999 عندما اشترت الشركة البيروفية Compañia Minera Volcan المناجم الرئيسية في سيرو دي باسكو ومعمل باراغشا لمعالجة الخام المرافق لها. تم بناء بلدة سيرو دي باسكو حول منجم مفتوح وفوق مخلفات المناجم. في العقود الخيرة تراكمت كميات ضخمة من النفايات الصخرية والمخلفات في منطقة مساحتها نحو 10 كم2 على مسافة عدة كيلومترات إلى الجنوب الغربي من الحفرة الرئيسية ثم أبعد من ذلك عن التجمع السكاني الرئيسي.22

بدأ منجم ماريا تيريسا عديد المعادن (أي الزنك والرصاص والفضة) ومعمل معالجة الخامات المرافق لها مينيرا كولكيسيري ش.م. عمله على مبعدة 7 كم عن بلدة وارال في سنة 1984. النشاط البشري حول محيط المنجم زراعي بالدرجة الأولى، أغلبه جنائن أشجار مثمرة ومزارع تربية الخنازير، ولكن تم بناء عدة قرى قرب محيط الموقع. بخلاف سيرو دي باسكو، لا يوجد تجمع سكاني كبير قرب المنجم، ويتم حقظ المخلفات في بركة ضمن أملاك المعمل.

في مايو 2009 تم قياس توزع الرصاص في التربة السطحية في بلدة سيرو دي باسكو والمناطق خارج السور المحيط بمنجم ماريا تيريسا ومعمل معالجة الخامات قبل وارال باستخدام محللة التألق بالأشعة السينية المحمول باليد (Innov-X Alpha، شركة أولمبوس، طوكيو، اليابان) وترسيمها على خرائط، مثلما أجري ذلك في دراسات أخرى.11 تفاوتت دقة المحللة مقدَّرةً بواسطة برمجيات المصنّع من 17 إلى 250 مغ/كغ من أجل التربة التي تحوي 400 إلى 11000 مغ/كغ من الرصاص، على الترتيب. تم تقييم مضبوطية المحللة خلال فترة 10 أيام باستعمال ثلاثة معايير تربة من المعهد الوطني للمعايير والتكنولوجيا في الولايات المتحدة: المادة المرجعية المعيارية 2710 ذات متوسط تركيز الرصاص في التربة قدره 5532 مغ/كغ (الانحراف المعياري: 80) والمادة المرجعية المعيارية 2711 فيها 1162 مغ/كغ (الانحراف المعياري:31) والمادة المرجعية المعيارية 2709 فيها 18.9 مغ/كغ (الانحراف المعياري:0.5). هذه القياسات أعطت في المتوسط 96% (الانحراف المعياري: 4؛ 11 قياساً) و97% (الانحراف المعياري: 7؛ 7 قياسات) و89% (الانحراف المعياري: 10؛ 4 قياسات) من القيم المصدقة لمعايير التربة الثلاثة، على الترتيب. أنشئ ملف kmz ليمكن مشاهدة معطيات رصاص التربة في Google Earth (الملحق C).

النتائج

تم الحصول على 312 منطقة حدودية محيدة غير متراكبة بالتحليل المكانية عن طريق توليف الدوائر ذات نصف قطر 5 كم حول 254 عملية تعدين نشطة (أي المناجم ومعامل معالجة الخامات والمصاهر) مع تلك الواقعة حول موروثات التعدين. كان متوسط حجم هذه المناطق الحدودية المحيّدة 170 كم2، أكبرها يغطي مساحة 1800 كم2. ومن أصل 312 منطقة حدودية محيدة لم تكن 227 تحوي منجماً أو معمل معالجة خامات أو مصهرة وحيدة لكنها كانت تشمل ما مجموعه 3030 موقعاً موروثاً. 52 منطقة حدودية محيدة أخرى كانت تحوي توليفة من الموروثات وعمليات تعدين نشطة، بينما المناطق الحدودية المحيّدة الـ33 المتبقية كانت لا تحوي إلا المناجم أو معامل معالجة الخامات أو المصاهر النشطة.

كان عدد سكان بيرو في سنة 2000 نحو 30 مليون نسمة، وكان يتوزع بين 195 مقاطعة ساحلية وجبلية (الآنديز) وأدغالية (أمازونية). يقع نحو 90% من المواقع ذات عمليات تعدين نشطة أو موروثات تعدين في المقاطعات الجبلية، والمواقع المتبقية تتوزع بالتساوي تقريباً بين المقاطعات الساحلية والأدغالية (الشكل 1). كان متوسط كثافة السكان في بيرو 21 نسمة/كم2 فقط، ونحو ثلثي المناطق الحدودية المحيّدة تقع في مناطق ذات كثافة سكانية دون المتوسط الوطني. إجمالاً، كان 1.6 مليون نسمة يقطنون ضمن منطقة 5 كم من مناجم أو معامل معالجة خامات أو مصاهر نشطة أو موروثة تعدينية.

الشكل 1. المواقع الـ312أ التي فيها عمليات تعدين نشطة أو موروثات تعدين ترتبط بالرصاص في التربة، بيرو، 2009

تفاوت عدد السكان القاطنين في المناطق الواقعة بين حدود الدول المختلفة تفاوتاً واسعاً، وكان أقل من 1000 في كل واحدة من 148 منطقة حدودية ذات عدد السكان الأدنى. في 135 منطقة حدودية أخرى تفاوت عدد السكان بين 1000 و10000. لكن المناطق الحدودية المحيّدة التسع والعشرين الباقية (الجدول 1) كانت مسؤولة عن أكثر من ثلثي عدد السكان الإجمالي القاطنين ضمن دائرة 5 كم من عملية تعدين نشطة أو موروثات تعدين: تفاوت عدد السكان في كل واحدة من هذه المناطق الحدودية المحيّدة من 10000 إلى 129 ألفاً، وكان متوسط الكثافة السكانية 175 نسمة/كم2 في هذه المناطق الحدودية المحيّدة التسع والعشرين ولم تكن دون المتوسط الوطني إلا في دارئتين منها. شمل 11 من هذه المناطق الحدودية المحيّدة الموروثات التعدينية فقط، وشملت كل المناطق الحدودية المحيّدة معاً ما مجموعه 3438 موروثةً و52 منجماً نشطاً و58 معمل معالجة خامات ومصهرتين.

احتلت المنطقة الحدودية المحيدة المتمركزة حول سيرو دي باسكو المرتبة الثانية في تقييمنا الوطني، إذ كانت تشغل ثاني أكبر مساحة تبلغ 1659 كم2 وكان عدد سكانها في المرتبة الثانية أيضاً، 119178 نسمة (الجدول 2). أما المنطقة الحدودية المحيدة الأكبر فكان عدد سكانها أكبر بقليل وشملت 52 موروثة ولا عمليات تعدين نشطة، وضمت وانكايو، خامس مدينة من حيث عدد السكان في بيرو. شملت المنطقة الحدودية المحيدة سيرو دي باسكو 12 منجماً نشطاً و9 معامل معالجة خامات و349 موروثة. ركز مسح التربة الذي أجريناه على المنجم المفتوح الرئيسي الذي لا يزال قيد الاستغلال على مقياس واسع ويغطي 5 كم2 من المنطقة الحدودية المحيدة. وكان تركيز الرصاص أدنى من الحد الأقصى الموصى به من قبل وكالة حماية البيئة الأمريكية البالغ 1200 مغ/كغ للتربة في المناطق السكنية التي لا يلعب فيها الأطفال23 في 35 عينة تربة فقط من أصل 74 عينة تربة (47%). لوحظت تراكيز رصاص أعلى من 1200 مغ/كغ حول المنجم المفتوح من كل جهاته، ولكن على مسافة لا تزيد على 1 كم عن حوافه (الشكل 2). التراكيز الخمسة العليا التي تراوحت بين 5000 و12000 مغ/كغ لوحظت جميعها في العينات المأخوذة ضمن 500 م من الحافة الغربية للحفرة. ولم يكن تركيز الرصاص دون عتبة 400 مغ/كغ الموصى بها من قبل وكالة حماية البيئة الأمريكية للتربة في المناطق السكنية التي يلعب فيها الأطفال إلا في 11 من أصل 74 عينة تربة (15%). لوحظت تراكيز رصاص دون 400 مغ/كغ بالدرجة الأولى في القطاعين الخارجيين الشمالي والشرقي من البلدة.

الشكل 2. صورة جوية للمنجم المفتوح الرئيس وبلدة سيرو دي باسكو المحيطة به، مع المواضع التي تم فيها قياس تركيز الرصاص في التربةأ، بيرو، 2009

الموقع الآخر الذي اخترناه من أجل مسح رصاص التربة كان الخامس عشر من حيث عدد السكان في تقييمنا ويحوي منجماً واحداً فقط ومعمل معالجة خامات واحداً فقط وأربع موروثات (الشكل 3). ولكن مساحة المنطقة الحدودية المحيدة كانت 90 كم2 وامتدت حتى أطراف بلدة وارال، وبالتالي شملت عدد سكان كبيراً يبلغ 21705 نسمة (الجدول 1). اختلفت قياسات التربة من هذا الموقع عن عينات سيرو دي باسكو: فقط 4 من 47 عينة (8.5%) تجاوزت تراكيز الرصاص فيها 1200 مغ/كغ، والقياس الأعلى كان 2300 مغ/كغ. لوحظت تراكيز الرصاص العالية جميعها على طول طريق وفي الحقول المزروعة ضمن مسافة 200 م من محيط المعمل. وكان تركيز الرصاص في أغلب المواقع الأخرى ضمن تلك المسافة أقل من 400 مغ/كغ.

الشكل 3. صورة جوية للمنجم ومعمل معالجة الخام قرب وارال، بيرو، تبين مواضع قياس تركيز رصاص التربةأ، 2009

المناقشة

بينت دراسة أجرتها مراكز مكافحة الأمراض ومكافحتها بالتعاون مع السلطات البيروفية أن محتوى رصاص الدم المأخوذ من 52% من أصل 163 طفلاً يقطنون في سيرو دي باسكو تجاوز عتبة التدخل 10 مكغ/دل.24 في منطقة أيابوتو غربي حفرة المنجم حيث كانت التربة ملوثة بشدة (الشكل 2) تجاوز تركيز رصاص الدم مستوى 10 مكغ/دل عند 88% من الأطفال المحليين وشوهدت تراكيز تصل إلى 62 مكغ/دل. أما تراكيز رصاص الدم عند النساء في سن الإنجاب من نفس مناطق البلدة فلم تتجاوز 10 مكغ/دل إلا عند 9.4%.

أبلغت دراسة أجريت في سنة 2007 أيضاً عن قياسات رصاص التربة في سيرو دي باسكو ضمن مجال 150 إلى 20000 مغ/كغ، وكانت القيم الأعلى تلاحظ بشكل متسق في أيابوتو.24 وتشير العلاقة الجغرافية بين مستويات رصاص الدم المرتفعة عند الأطفال وارتفاع محتوى التربة من الرصاص، مع غياب علاقة مماثلة بين النساء في سن الإنجاب، إلى أن السبيل الأولي للتعرض للرصاص عند الأطفال في سيرو دي باسكو هو ابتلاع التربة وغبار التربة. إن العلاقة بين تعرض الأطفال وتلوث التربة المشاهدة في سيرو دي باسكو تتوافق مع ما شوهد في دراسات تأثير تعدين الرصاص ومعالجة الخامات والصهر أجريت في أماكن أخرى، بما فيه أجزاء أخرى من أمريكا اللاتينية.10، 17، 19، 25-26

لا نعرف عن أي دراسات عن مستويات رصاص الدم بين الجمهرة القاطنة قرب منجم كولكيسيري في موقعنا المختار الثاني. ولكن باعتبار المستويات المنخفضة نسبياً من رصاص التربة (الشكل 3)، يبدو من المعقول أن نفترض أن الجمهرة القاطنة في وارال تعرضت للرصاص أقل بكثير من سكان سيرو دي باسكو.

مع أن بيرو انتهت من السحب التدريجي للبنزين المرصص في سنة 2004، لا يمكن استبعاد التعرض من حين إلى آخر من الدهانات الرصاصية.16 عدا ذلك، يحتمل التعرض من الصناعة المحلية لبطاريات السيارات وإعادة تدويرها ومن استخدام الرصاص في طلي أواني المائدة، وقد ثبت أن كلاهما يمكن أن يكونا مصدراً هاماً للتعرض في بلدان نامية أخرى.27، 29

هناك دراستان طويلتا الأمد حول الرصاص في دم الأطفال أجريتا في أستراليا والولايات المتحدة لهما علاقة وثيقة بالوضع في سيرو دي باسكو. فقد كان مستوى رصاص الدم في بلدة بروكن هيل التعدينية الأسترالية في سنة 1982 عند جميع الأطفال بعمر المدرسة أعلى من 40 مكغ/دل.19 وبين السنتين 1991 و2003 نزلت نسبة الأطفال الذين كان تركيز رصاص الدم عندهم أعلى من 10 مكغ/دل من 85 إلى 32% نتيجة تدخلات متنوعة. وبيّن تحليل نظائر الرصاص أن التربة التي كانت ملوثة حتى مستويات بين 1000 إلى 7000 مغ/كغ نتيجة الحت الطبيعي للخامات أو تعدينها كانت هي المصدر الرئيسي للرصاص في دم الأطفال، ولو أن البنزين المرصص والدهانات الرصاصية كان لها مساهمات هامة أيضاً.16

وحول منجم ومصهرة للرصاص في بنكر هيل في ولاية أيداهو الأمريكية كان متوسط مستوى رصاص الدم عند الأطفال 70 مكغ/دل في بداية سبعينات القرن العشرين. وفي الفترة التي كانت المصهرة تعمل خلالها بلا أي ضوابط لانبعاثاتها كان متوسط تركيز الرصاص في التربة 7000 مغ/كغ وتركيز الرصاص في غبار المنازل 12000 مغ/كغ.18 وبالمثل، بعد سلسلة من التدخلات انخفض التعرض للرصاص انخفاضاً حاداً: نزل تناسب الأطفال ذوي تراكيز رصاص الدم فوق 10 مكغ/دل من 45% في سنة 1988 إلى 3% في سنة 2001. وعدا ذلك، عندما لوحظ أن الأطفال ما زالوا يتعرضون للرصاص بعد إغلاق المصهرة من خلال ابتلاع التراب وغبار المنازل، تم استبدال التربة في باحات البيوت إذا تجاوز تركيز الرصاص فيها 1000 مغ/كغ. إن الانخفاض الواضح في مستويات رصاص دم الأطفال الذي تم تحقيقه في بنكر هيل يضع هدفاً قابلاً للتحقيق يمكن تطبيقه لتلطيف التعرض في أماكن أخرى، بما فيه المناطق ذات التلوث الشديد مثل سيرو دي باسكو.

إن مستويات تلوث التربة بالرصاص في سيرو دي باسكو وأوارال توافق السيناريوهين عالي الخطر ومنخفض الخطر من أجل بيرو، على الترتيب، وبالتالي قد يشمل طيف الظروف في المناطق الحدودية المحيّدة الأخرى. يبدو أن تأثير التعديل على السكان المحليين يتأثر بالدرجة الأولى بمقياسه ومدته؛ فالتعدين بدأ في سيرو دي باسكو قبل وارال بكثير14 وأدى إلى تراكم كميات ضخمة من المخلفات التي بنيت البلدة فوقها. علاوة على ذلك، شملت المنطقة الحدودية المحيدة سيرو دي باسكو 349 موروثة مقارنة بأربع موروثات في المنطقة الحدودية المحيدة وارال (الجدول 1). إذن، من الممكن أن عدد الموروثات يمكن أن يكون مؤشراً مفيداً لوخامة تلوث التربة في المواقع التي لا تتوفر من أجلها قياسات تربة. ومع أن 14 من 29 من أكبر المناطق الحدودية المحيّدة من حيث حجم السكان شملت عمليات تعدينية نشطة بالإضافة إلى موروثة واحدة على الأقل، فإن الحكم على وخامة التلوث بناء على الموروثات وحدها قد يكون مضللاً؛ فمثلاً، المنطقة الحدودية المحيدة التي تحوي مصهرة دو ران سيئة الشهرة في مقاطعة ياولي حيث تم توثيق تعرض الأطفال للرصاص على نطاق واسع7 لا يشمل ولا موروثة.

يبين مسح رصاص التربة في سيرو دي باسكون أن التلوث ليس متماثلاً حتى بموجب السيناريو عالي الخطر. وقد تم توثيق التوزع المتغاير للتلوث بالرصاص عدا الانخفاض المرتبط بالمسافة عن المنجم أو المصهرة في أماكن أخرى. وبالتالي، باعتبار حجم الجهود والموارد المطلوبة لتلطيف التلوث،5، 9 من الضروري استعراف تلك المناطق التي تستدعي استبدال التربة أو حتى نقل جمهرات كاملة.10 إن تقييمات التربة يمكن أن تقدم المعلومات للحكومات المحلية والأسر حول السلامة النسبية للمناطق المختلفة، ويمكنها، في حال ترافقها بالمعلومات عن عواقب ابتلاع الأطفال للتراب الملوث بالرصاص، إن تساهم في خفض تعرض الأطفال على المدى القريب وتمكّن المجتمع المحلي من المشاركة في خفض الاختطار.30

للأسف، لا يوجد في الحاضر معدات منخفضة التكلفة للاستعاضة عن محللة التألق بالأشعة السينية أو الطرائق المخبرية الأكثر تعقيداً.31 بالتالي، يلزم استثمار عاجل عمومي في موضعة الاختطار. لا تزال الإجراءات المكلفة كاستبدال التربة أو إعادة توطين مجتمعات كاملة من أجل خفض التعرض للرصاص المرتبط بالتعدين محصورة بالبلدان عالية الدخل،18-19 باسثناء مثال واحد في نيجيريا مؤخراً.11

وفي الخاتمة، يشير تقديرنا بأن 1.6 مليون نسمة في بيرو يمكن أن يكونوا متعرضين للرصاص في التربة إلى الحاجة الملحة إلى الإرادة السياسية والموارد لخفض تأثير التعرض على النماء المعرفي للأجيال القادمة. تسلط دراستا الحالة في هذه المقالة الضوء على إمكانيات المسوح المحلية للرصاص في التربة في خفض التعرض بتلكفة يمكن إهمالها مقارنةً بالأرباح التي يجلبها التعدين، حتى في المناطق شديدة التلوث من سيرو دي باسكو. الأساس هو توفير المعلومات المناسبة للأسر والحكومات المحلية. عدا ذلك، تستطيع مسوح التربة المنهجية المساهمة في استعراف المناطق التي تحتاج أكثر من غيرها إلى التثقيف والتدخلات الصحية العمومية. يمكن أن تكون هذه المقاربات مفيدة في بلدان أخرى فيها موروثات من ترسبات التعدين الغنية بالرصاص. ويشكل الانخفاض السريع في الانبعاثات الذي حققه مالكو مجموعة المصاهر الضخمة في أيلو في جنوب بيرو استجابةً لرصد الانبعاثات32 مثالاً على فعالية التدخلات التي تعتمد على المعطيات العمومية.


الشكر والتقدير

نشكر ممثلي الحكومة والصناعة في بيرو، وColin Cook وSheila Xiah Kragie وEduardo Ureta. Vladimir Gil هو أيضاً عضو هيئة تدريسية وباحث في برنامج تنمية البيئة للخريجي وقسم العلوم الاجتماعية في جامعة بيرو البابوية الكاثوليكية، ليما، بيرو، وهو المنسق العام لجمعية دراسة الأثر الاقتصادي لتغير المناخ في بيرو.

التمويل:

تم تمويل هذه الدراسة بمنحة من Cross-Cutting Initiatives في معهد الأرض بجامعة كولومبيا (http://www.earthinstitute.columbia.edu)، وهي مساهمة Lamont-Doherty Earth Observatory رقم 7607.

تضارب المصالح:

لم يُصرّح بأيٍّ منها.

المراجع