مجلة منظمة الصحة العالمية

صوت الأكثر تعرضاً: دراسات من الأزمة النووية في فوكوشيما في اليابان

A Sugimoto a, S Krull a, S Nomura a, T Morita b & M Tsubokura b

a. Department of Global Health Policy, Graduate School of Medicine, University of Tokyo, 7-3-1 Hongo, Bunkyo-ku, Tokyo 113-0033, Japan.
b. Institute of Medical Science, University of Tokyo, Tokyo, Japan.

Correspondence to A Sugimoto (e-mail: amigon0918@m.u-tokyo.ac.jp).

(Submitted: 09 August 2011 – Revised version received: 20 March 2012 – Accepted: 10 April 2012 – Published online: 24 April 2012.)

Bulletin of the World Health Organization 2012;90:629-630. doi: 10.2471/BLT.11.094474

في 11 آذار/ مارس 2011 حصل زلزال عظيم في شرقي اليابان وسببت موجات تسونامي المرافقة انهياراً في مفاعل الطاقة النووية في داييشي في فوكوشيما، وتحررت كميات كبيرة من المواد المشعة المحمولة بالهواء في الجو مما سبب تلوثاً بيئياً واسعاً في كامل شرقي اليابان مع حدوث عواقب صحية مديدة ضارة محتملة،1 وصنفت جمعية الطاقة الذرية الدولية الكارثة النووية الكارثة من "المستوى 7" وهو المستوى الأخطر في زمن الطاقة الذرية المعاصر،2 وقد تصرفت الحكومة اليابانية بعد مجابهة هذا السيناريو بشكل فوري لإخلاء السكان في مناطق الإخلاء المخصصة ضمن ولاية فوكوشيما. لقد رسمت دائرة في البداية مركزها مفاعل الطاقة وأعلنت منطقة 20 كيلومتراً "منطقة يحرَّم دخولها"،3 وفي 22 نيسان/ أبريل في وجه التسرب المستمر والانتشار غير النموذجي للمادة المشعة أعيد رسم الدائرة لتضم قرى في منطقة 20 – 30 كيلومتراً ضمن ما دعي "منطقة الإخلاء في حال الطوارئ" إضافة إلى بضعة قرى على بعد 30 – 50 كيلومتراً شمال المفاعل أعلنت على أنها "منطقة الإخلاء المخططة".3

رغم أن هذه الكارثة المتعددة الأوجه ليس البؤس الواسع الوحيد الذي ضرب اليابان في السنوات الأخيرة إلا أنها تختلف عن الأحداث السابقة من نواح هامة متعددة: الأولى أن الحالة في فوكوشيما مع إمكانية الفواجع المستقبلية مستمرة، والثانية أن تأثيرات التعرض المديد للإشعاع منخفض المستوى على الصحة البشرية لم تحدد حتى الآن،4 وأخيراً أن اشتراك ثلاث كوارث منفصلة هي الزلزال والتسونامي والأزمة النووية فريدة فيما يتعلق بدرجته وتعقيده إضافة إلى التآثرات المعقدة للمشاكل الصحية التي ربما تكون أحدثتها. لقد أظهر زلزال هانشين-أواجي (كوبه) الضخم الذي قتل أكثر من 6000 شخص عام 19955 أن الكوارث في اليابان يمكن أن تؤثر على مجموعات سكانية مختلفة مع شدة مختلفة، وأن كبار السن هو الأكثر استعداداً على وجه الخصوص،5 إلا أن التجربة السابقة قد لا تكون المرشد الأفضل عند التعامل مع التحديات الصحية الناتجة عن كارثة فوكوشيما مع المدى غير المسبوق والصفات المعقدة. إننا في هذا المقال نبرز أهمية أخذ السياق الاجتماعي والثقافي بعين الاعتبار خلال التخطيط للطارئ أو الاستجابة له، ولدعم وجهات نظرنا نقدم نتائج تحر صحي أجريناه في إحدى القرى الأكثر تأثراً بالكارثة النووية، ورغم أن السياق الاجتماعي الذي حدثت فيه كارثة فوكوشيما نوعي جداً لليابان فإن تأثيرات التخطيط للكارثة تنطبق على مجال واسع من المواضع ولاسيما تلك التي يقارن سكانها باليابانيين، أي يشيخون بسرعة.

تعد الاختبارات الصحية السنوية جزءاً هاماً من النظام الياباني في التغطية الصحية الشاملة وتؤدي دوراً في مراقبة الصحة والتخطيط التدخّلي، وبناء على ذلك أجرى متطوعون من جامعة طوكيو في أيار/ مايو 2011 بالتعاون مع الحكومات المحلية في ولاية فوكوشيما اختباراً صحياً حراً لدى القرويين في "منطقة الإخلاء المخططة"، وكان ذلك مقياساً ضرورياً لأن الالتباس الواسع والصعوبات اللوجستية قد جعلت مراقبة صحة السكان المحليين بعد الكارثة مستحيلاً. لقد كان ذلك الفرصة الأخيرة من اجل الحصول على معلومات حول صحة السكان قبل إنفاذ أمر إخلاء المجموعة الإلزامي في 25 أيار/ مايو من أجل العديد من القرى مثل إيتات، وقبل 11 آذار/ مارس بلغ عدد سكان تلك القرية على وجه الخصوص 6125 نسمة، لكن هذا العدد انخفض بشكل كبير خلال عدة أشهر. إن هذه القرية التي يشكل المسنون 28.1% من سكانها تقدم مثالاً جيداً عن التقدم بالسن في المجتمع الياباني. إن معظم سكان القرية يعملون في قطاع الصناعة الأولية، وقد حضر الاختبارَ الصحي 257 شخصاً من أصل 300 من السكان المتوقعين الذين كانوا الوحيدين الذين تمكنت الحكومة المحلية من تحديد مكانهم بسبب الالتباس بعد أمر الإخلاء، وكان معظمهم أكبر من 60 سنة عمراً، وكان غرضُ الاختبار الصحي في المقام الأول التفريجَ عن الذين تأثروا بالأزمة من الناحية الجسمية والنفسية، إضافة إلى تحسين فهم الحالة الصحية الموجودة وأحاسيس سكان المنطقة وآرائهم، وقد نشرت معلومات حول الاختبار الصحي في جميع القرى مسبقاً، وقد دام الاختبار الصحي لكل شخص قرابة الساعة وقسم إلى جزأين: 1) مقابلة صحية تشمل أسئلة حول الحالات الموجودة مسبقاً، والقصة العائلية، والأعراض التي يخبر عنها الشخص، والصحة العقلية والوقت الذي يمضيه الشخص خارجاً منذ الكارثة، و2) فحصاً صحياً يشمل فحص البول واختبارات الدم وقياس ضغط الدم والفحص الجسمي من قبل الطبيب.

لم تكشف أي إصابة إشعاعية مباشرة باختبارات الدم رغم أن العديد من الأشخاص كانوا مصابين بحالات مرضية مزمنة مرافقة، وفي الحالة الطبيعية يتوقع أن تكون المراضة أكبر لدى السكان الأكبر عمراً، لكن الأحداث الحديثة في فوكوشيما قد تكون أحدثت سورات في الحالات المزمنة المستبطنة، وقد تغيرت حياة القرويين العاملين بالزراعة بشكل كبير بعد الكارثة النووية، في حين أنهم كانوا يمضون معظم وقتهم خارج المنزل سابقاً إلا أنهم أصبحوا بعد الكارثة قليلي الحركة أكثر وتجنبوا الخروج من المنزل، ثم أصبح سريعاً من الواضح من المقابلات الصحية أن المعلومات الرسمية المبهمة الموزعة بوساطة وسائل الإعلام بعد الأزمة النووية قد شوشت السكان وأحدثت "هبوطاً" مفروضاً ذاتياً ونقص النشاط الجسمي، وقد أصدرت الحكومة محاولةً منها لتقليل الاختطار المديد للسرطان أمر إخلاء مع نصح السكان بالمكث داخل المنازل، وقد شجّع ذلك السكانَ بشكل غير مباشر على تبني طراز حياة سكوني ربما يكون قد فاقم الحالات المزمنة الموجودة لدى المسنين.

لا يمكن فصل الصحة النفسية عن الصحة الجسمية،6 وخلال المقابلات أظهرت النساء في أواخر الثمانينات من العمر انطباعاً مستمراً، فقد عبّرن مبتسمات على الدوام عن عدم القلق فيما يتعلق بالإشعاع، وكان لديهن خوف واحد فقط: "من أجل الأجيال، فعائلتي عاشت بعلاقة حميمة مع هذه الأرض، وسأحس بالذنب من أجل خسارة الأراضي التي أورثني إياها الأجداد"، وأعطانا رجل في أواخر الستينات من العمر غذاء فكرياً حين قال ضاحكاً "لا أعرف الكثير عن الإشعاع رغم أنني سمعت أنه خطر، وأنا أعمل خارج المنزل يومياً منذ الكارثة لمصلحة أبقاري. فيما يتعلق بي، إن مراقبة أبقاري تموت هو كأنني أشهد موت أولادي شخصياً"، وخلال يومين جابهته حقيقة أنه يجب أن يترك قطيعه ويغادر الأرض التي ولد وترعرع وقضى حياته كلها فيها، وقد عبّر العديد من السكان عن مشاعر مشابهة كانوا على وشك النزوح إلى منطقة غير مألوفة، وفيما يتعلق باليابانيين المسنين الذين تربّوا في قرى الريف يمكن أن تسبب مغادرة أرض أجدادهم والانتقال إلى بيئة غير مألوفة كرباً وأذية أكبر مما يسببه التعرض المباشر للإشعاع، وفي حين يكون من غير المحتمل أن تتأثر الصحة الجسدية بالإشعاع على المدى القصير أو بالإجراءات المتخذة لوقايتهم منه إلا أن الإخلاء من الأرض الهامة جداً من أجل استقرار مجتمعهم وحس الانتماء يمكن أن تسيء إلى صحتهم بشكل كبير.

تضع منظّمة الصّحّة العالميّة "حالة الرفاهية الاجتماعية" في تعريفها للصحة، وفي الوضع التالي للكارثة في فوكوشيما قد يكون الانتباه إلى هذا البعد الصحي بمثل أهمية المخاوف حول التأثيرات الجسدية الفورية للإشعاع، ولاسيما لدى السكان المسنين النشيطين الذين يحكمون على أنفسهم فيما يتعلق بقدرتهم على حراسة القيم الاجتماعية الأساسية والثقافية ونقلها، وعلى مساهمتهم بالمجتمع بوساطة الزراعة أو رعاية الأرض سنوات طويلة بعد تقاعدهم، فيما يريده المسن ليس بالضرورة حياة خالية من السرطان مدة عشرين سنة بل القدرة على متابعة حياتهم الطبيعية.

عند وقوع طارئ لا يكون أمام الحكومة خيار آخر عدا وضع صحة الناس في المقام الأول باتخاذ فعل معين، ويصبح الإخلاء إلزامياً أخلاقياً تحت مثل هذه الظروف وفيما يتجاوز الاعتبارات الصحية، وعلى كل حال من المرجح أن تكون الأزمة النووية الحالية في اليابان مديدة التأثير نظراً لتخرب البيوت والأعمال في المنطقة بالتسونامي، وما تزال فوكوشيما تعاني بعد سنة من الكارثة، وسيستلزم تخفيف تأثيرات الكارثة قيادة الحكومة ومسؤوليتها وشفافيتها على مستويات متعددة، وتقترح تآثراتنا مع القرويين الحاجة من أجل مراقبة حالتهم الصحية ومراقبة صحة مجتمعاتهم، إضافة إلى وضع نظام من أجل الاستماع إلى أصواتهم ولاسيما خلال مرحلة إعادة البناء وذلك كطريقة من أجل اكتساب فهم للقضايا الاجتماعية الثقافية وطريقة تأثيرها على الصحة الجسدية والعقلية للناس. إن الصحة مفهوم متعدد الأوجه يختلف تعريفها في المراحل المتعددة من دورة الحياة، وإذا أخفقت التدخلات الصحية في التفكير بمخاوف الأشخاص المستهدفين وهمومهم وتخفيفها فقد تكون في النهاية مؤذية أكثر من مفيدة لدى بعض قطاعات الناس مثل المسنين، وذلك سواء على المدى القريب أو البعيد.


تضارب المصالح:

لم يُصرّح بأيٍّ منها.

المراجع