مجلة منظمة الصحة العالمية

استعراف المناطق عالية الاختطار لفاشيات الحصبة الفُرادية: دروس من جنوب أفريقيا

Benn Sartorius a, C Cohen b, T Chirwa a, G Ntshoe b, A Puren b & K Hofman a

a. School of Public Health, Faculty of Health Sciences, University of the Witwatersrand, 27 St Andrews Road, Parktown, Johannesburg 2193, South Africa.
b. National Institute for Communicable Diseases of the National Health Laboratory Service, Johannesburg, South Africa.

Correspondence to Benn Sartorius (e-mail: benn.sartorius@wits.ac.za).

(Submitted: 26 July 2012 – Revised version received: 15 November 2012 – Accepted: 16 November 2012 – Published online: 11 January 2013.)

نشرة منظمة الصحة العالمية 2013;91:174-183. doi: 10.2471/BLT.12.110726

المقدمة

الحصبة مرض شديد العدوى، وشدّة سراية1 فيروس الحصبة تفوق سراية معظم الممراضات البشرية.2 ورغم التقدّم في مكافحة الحصبة منذ العام 2000 بقي المرض متوطّناً في العديد من البلدان وقتل أكثر من 164 ألف طفل في جميع أنحاء العالم عام 2008. 1 كما حدثت الوفيات خلال الفاشيات في المناطق التي لم تعد موطونة بالمرض.3

التلقيح ضدّ الحصبة فعّال جداً وآمن وفعّال التكلفة نسبياً4 وقد قطع سراية الحصبة في معظم أنحاء العالم،5 رغم بقاء مناطق مرتفعة الاختطار في أفريقيا وجنوب آسيا. إنّ مدى تغطية التمنيع مؤشر رئيس في مراقبة أداء القطاع الصحي والسير نحو هدف الألفية الإنمائي الرابع (أي إنقاص وفيات الأطفال).6 تصعُب مكافحة الحصبة والتخلص منها ويجب أن يكون أكثر من 90% من السكان ممنَّعين لقطع السراية والوقاية من الفاشيات.7-11 إنّ التغطية الكافية للِّقاح في أنحاء البلاد هي مشكلة عالمية، وحدثت فاشيات في عامي 2010 و2011 حتى في العالم المتقدِّم.4 علاوة على ذلك، يُعتقد أنّ فعالية الجرعة الأولى للِّقاح نحو 85% لذلك ستتم إضافة غير المستجيبين ستتم إلى تجميعة الأطفال الذين لديهم استعداد للإصابة. بالإضافة لذلك، فتحقيق مستوى عالٍ من المناعة للسكان قد يكون صعباً في مناطق مثل أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى حيث الانتشار المرتفع للعدوى بفيروس العوز المناعي البشري (HIV)، لأنّ الأطفال المصابين بالعدوى هم أقل احتمالاً للاستجابة للتلقيح أو الحفاظ على مستوى الأضداد المحصِّنة أو قد يكتسبون مستويات أدنى من الأضداد من الأم إيجابية فيروس العوز المناعي البشري.14-16 وقد نحتاج إلى تكرار التلقيح على نحو أكثر تواتراً في هذه المناطق.16

أطلقت عدة بلدان أفريقية مبادرات للتخلص من الحصبة منذ عام 1995 استجابة لتوصيات منظمة الصحة العالمية (WHO).18،17 وتهدف هذه المبادرات إلى: (1) تحقيق تغطية تُعادل 90% أو أكثر للجرعة الأولى للِّقاح؛ و(2) استعراف مناطق التغطية المتدنية والاختطار المرتفع "لاجتثاث" تمنيع الأطفال الذين فوّتوا التلقيح: و(3) تعزيز ترصّد الحصبة المعتمد على الحالات مع الدعم المُختَبري.17

وفي جنوب أفريقيا أُعطيت الجرعتان الأولى والثانية للِقاح الحصبة مجاناً للأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين 9 و18 شهراً منذ نيسان/ أبريل 2009 كجزء من برنامج منظمة الصحة العالمية الموسَّع للتمنيع. في الوقت الحاضر فإنّ التلقيح ضدّ الحصبة إلزامي ويُقدَّم في القطاع العمومي، بينما التلقيح التوليفي ضدّ الحصبة والنُّكاف والحصبة الألمانية فيتوفر في القطاع الخاص بشكل مأجور. وأدخلت دائرة الصحة الوطنية لجنوب أفريقيا برنامج ترصّد الحصبة المعتمد على الحالات في عام 1998 مع الدعم المُختبَري من المعهد الوطني للأمراض السارية.

حدثت في جنوب أفريقيا فاشيات كبيرة للحصبة شملت نحو 1700 حالة بين عامي 2003 و2005 بعد بدايتها في الموزمبيق. ومؤخراً حدثت فاشية بين عامي 2009 و2011 مع أكثر من 18000 حالة مسجَّلة.4 إنّ الانخفاض العابر للحالات بعد فاشية كبيرة تزيد المناعة القطيعية يتيح الفرصة للمخطِّطين لاستقصاء الوباء وتحسين استراتيجيات الوقاية.4 وأصبح التحليل الحيزيّ اداة وبائية مهمة في الكشف والتكهن بنماذج انتشار المرض.19 وفي الحالات التي تكون فيها التدخّلات على مستوى السكان مكلفة جداً أو غير فعالة لأنها تضعف الموارد المتاحة، تزداد فعالية التلقيح عند استهداف المناطق عالية الاختطار مثل تلك المكتنَفة في سراية الحصبة أو التي تتفاوت فيها تغطية التلقيح.21،20

وكانت الأغراض من هذه الدراسة: (1) استقصاء نماذج انتشار الحصبة في فاشية جنوب أفريقيا بين عامي 2009 و2011؛ و(2) استعراف الترابطات بين الفاشية وكثافة السكان وانتشار فيروس العوز المناعي البشري والثغرات السابقة في التلقيح ضدّ الحصبة؛ و(3) تطوير نموذج لاستعراف المناطق عالية الاختطار لحدوث فاشيات فُرادية مستقبلية واسعة النطاق بحيث يمكن استخدامه في الوقاية.

الطرائق

تُقسم جنوب أفريقيا إدارياً إلى 9 مقاطعات و52 منطقة صحية تتضمن 6 مناطق حضرية (محيطة بالمدن).3 وكذلك قسمت المناطق إلى 248 بلدية محلية على أن تكون المناطق الحضرية (العاصمية) محكومة من قبل بلديات العاصمة. والحصول على الخدمات الصحية هو من وظائف البلدية بدرجة كبيرة.

حصلنا على المعطيات المتعلقة بالحالات الفردية المشاهَدة بين عامي 2008 و2009 من برنامج ترصّد الحصبة في دائرة الصحة الوطنية والمعهد الوطني للأمراض السارية. وتم الحصول على المعطيات المتعلقة بتغطية التلقيح ضدّ الحصبة بين الرضّع (أي الأطفال الذين تقل أعمارهم عن السنة) ونسبة الرضّع إيجابيي فيروس العوز المناعي البشري ممن تقل أعمارهم عن شهرين وعن القواسم (المقامات) المختصة المتصلة بها (مثل العدد الكلي للرضّع في منطقة صحية ما حسب السنة) من نظام المعلومات الصحية في المنطقة الصحية. إنّ المنطقة الصحية هي الوحدة الأساسية في التحليل.

قمنا بحساب الوقوع الإجمالي للحصبة في كل أسبوع بين عامي 2009 و2011 لاستعراف الذُّرى الزمانية. كما حسبنا الوقوع عند الرضّع في كل منطقة صحية بتقسيم العدد المشاهَد لحالات الحصبة عند الرضّع على الجمهرة الكلية للرضّع في المنطقة الصحية. ولاستعراف المناطق الصحية التي كان معدّل الوقوع فيها أعلى من الوسطي سواء قبل أو خلال الفاشية قمنا باشتقاق مجال الموثوقية 95% لكل نسبة وقوع باستخدام التوزّع ثنائي الحدود لعدد الأحداث المشاهَدة.22 واعتبرنا الوقوع في المنطقة الصحية أعلى من الوسطي بفرق معتد إحصائياً في سنة محددة إذا كان الوقوع الوطني لتلك الفترة أقل من الحدود الدنيا (أي α = 0.025) لنسبة الوقوع في المنطقة الصحية.23

نمذجة اختطار الحصبة

تم حساب نسب الاختطار المعيَّرة (RR) لكل منطقة صحية بنسبة العدد المشاهَد إلى العدد المتوقَّع لحالات الحصبة عند الرضّع في كل منطقة صحية. والعدد المتوقَّع للحالات يساوي الوقوع الوطني للحصبة مضروباً بعدد الرضّع في الجمهرة في تلك المنطقة الصحية.

إنّ الاستراتيجية الأكثر استخداماً لمعالجة المشاكل التي يفرضها التحليل في المناطق الصغيرة هي نمذجة بايز الهرمية.24 ووُضعت المقاربة النوعية التي اعتمدناها من قبل Besag وYork وMolliè25 وتضمنت مصطلحين للتأثيرات العشوائية (أي مقاربة التفافية) يمثلان: (1) تجاور المناطق الصحية المنظمة و(2) تغايرية المناطق الصحية غير المنظمة. والأكثر استخداماً هما نموذج بواسون الحيزيّ وصياغة كريغينغ Kriging الأساسية اللذان لا يشتملان على متغيرات مشاركة وهما كالتالي:

(1).

Oi ~ Poisson(Eiλi)

log(λi) = α  + εi + ωi

حيث Oi هو العدد المشاهَد لحالات الحصبة في المنطقة الصحية i، وEi تمثل العدد المتوقَّع للحالات، وi متوسط بواسون أو القيمة المتوقَّعة (والتفاوت)، وα قيمة ثابت، وi تمثل التأثير العشوائي لتغايرية المناطق الصحية غير المنظمة، وi التأثير العشوائي الحيزيّ الشرطي ذاتي التحوُّف الذي يمثل تجاور المناطق الصحية. وهناك المزيد من التفاصيل في الملحق A (متاحة على الرابط: http://www.fileswap.com/dl/fbTMrOX3gU/Appendix1.doc). وبالإمكان لهذا النموذج الفُرادي الأساسي أن يتوسع إلى صياغة زمانية مكانية: الصياغات الكاملة بما فيها استنتاج بايز باستخدام اعتيان غيبس Gibbs (BUGS) مقدَّمة في الملحق B (متاحة على الرابط: http://www.fileswap.com/dl/vEAvea1JcR/Appendix2.doc). وإذا كان هناك زيد أو تكرار في العدّ الصفري في عدد كبير من المناطق، وذلك غالباً هو حالة مع نتائج نادرة، عندئذ يجب استخدام مقاربة التضخم الصفري لبواسون.26-28

وفي اكتشاف الشذوذات استُخدمت احتماليات تجاوزات بايز لكشف المناطق التي بها ارتفاع معتدّ إحصائياً في الاختطار.29 وقمنا برسم تقديرات النموذج على خرائط المناطق الصحية التي صورت التقديرات الممهدة لنسب الاختطار والاحتمال اللاحق حيث كانت نسبة الاختطار أكبر من 1. واستخدمنا نسخة أكثر صرامة من معايير ريتشاردسون،29 وفيها إذا كان احتمال تجاوزات بايز لمنطقة صحية ما (أي احتمال أن تتجاوز نسبة الاختطار قيمة 1) أكبر من 0.9 اعتُبرت منطقة عالية الاختطار.

ولدراسة تأثيرات الثغرات السابقة في التلقيح وانتشار العدوى بفيروس العوز المناعي البشري بين الرضّع وفشل اللِّقاح على الاختطار المراقَب للحصبة قمنا باختبار محدِّدات مختلفة على مستوى ثنائي المتغير ومتعدد المتغيرات باستخدام مقاربة بايز أعلاه مع:

(2).

log(λi) = α + βXi + εi + ωi

حيث Xi تمثل متجه المتغيرات المشاركة المرتبطة و تمثل معامِلات التحوُّف الموافقة. وأُدرجت العوامل التي وجدنا أنها هامة على المستوى ثنائي المتغير (أي P< 0.2) في النموذج متعدد المتغيرات. وتم تقسيم المناطق الصحية إلى ثلاثيات tertiles وفقاً لكثافة السكان: منخفضة ومتوسطة ومرتفعة الكثافة. وصُنفت جميع المناطق الحضرية كونها مرتفعة الكثافة ولكن هناك العديد من المناطق مرتفعة الكثافة غير المناطق الحضرية. وخلقنا متغيراً وهمياً بثلاث فئات لإظهار ذلك: منطقة ذات كثافة سكانية منخفضة إلى متوسطة ومنطقة غير حضرية مرتفعة الكثافة السكانية ومنطقة حضرية مرتفعة الكثافة السكانية.

وتم وضع الصيغة أدناه لاستخدام المعطيات من السنة السابقة لتقدير حجم جمهرة الرضّع المستعدين للإصابة بالحصبة في كل منطقة صحية، وهو ربما المنبّئ الأكثر أهمية بالمناطق المستقبلية عالية الاختطار. وفي هذه الدراسة تم استعراف الرضّع الذين لم تتم تغطيتهم باللِّقاح في سنة معينة بأنهم الجزء من الرضّع الذين لم يحصلوا على الجرعة الأولى للِقاح الحصبة في تلك السنة.30 والنسبة غير المحصَّنة كانت توليفة من مجموعة الرضّع الذين لم يشملهم التلقيح والجزء الذي فشل في قلب تفاعلية المصل بعد الجرعة الأولى للِّقاح، آخذين في اعتبارنا تأثير العدوى بفيروس العوز المناعي البشري على احتمال انقلاب تفاعلية المصل. وبينت دراسة سابقة أنّ معدل وفيات الأطفال المصابين بعدوى فيروس العوز المناعي البشري ولم يتلقوا المعالجة المضادة للفيروسات القهقرية بالإمكان أن يحدّ من تأثير وباء فيروس العوز المناعي البشري على زيادة سراية فيروس الحصبة.31 وبالتالي قمنا بتحسين الصيغة بعوملة معدلات الوفيات المتوقَّعة بين الرضّع إيجابيي وسلبيي فيروس العوز المناعي البشري مع استعراف الرضّع الإيجابيين أنهم المجموعة التي تتلقى معالجة مضادة للفيروسات القهقرية. وأيضاً تم تقييم التآثر بين المجموعة المستعدة للإصابة بالحصبة وكثافة السكان.

تم اشتقاق حجم جمهرة الرضّع المستعدين للإصابة في كل منطقة صحية في سنة t (أي St) باستخدام المعطيات من العام t-1 لهذه المنطقة الصحية، وبإضافة الرضّع غير المشمولين باللِّقاح إلى أولئك الذين فشل اللِّقاح عندهم ممن تمت تغطيتهم، كما يلي:

(3).

ارتكزت قيم بعض المتثابتات التي ذُكرت في المعادلة 3 على المعطيات المُستمَدّة من نظام المعلومات الصحية في المنطقة منذ عام 2006 وحتى 2012. 32 وتم الحصول على نسبة الرضّع الذين فشلوا في قلب تفاعلية المصل بعد الجرعة الأولى للِّقاح من تحليل تِلوي حديث33: 64% (مجال الموثوقية: 49- 78%) من الرضّع إيجابيي فيروس العوز المناعي البشري انقلبت لديهم تفاعلية المصل بعد تسعة أشهر من التلقيح ضدّ الحصبة مقارنة مع 62-100% (المتوسط المرجَّح: 87%) من أولئك المعرَّضين لفيروس العوز المناعي البشري ولكن لم يصابوا بالعدوى ومع 76- 92% (المتوسط المرجَّح: 85%) من غير المعرَّضين. ومن هنا كانت نسبة الرضّع إيجابيي فيروس العوز المناعي البشري الذين فشلوا في قلب تفاعلية المصل بعد الجرعة الأولى للِّقاح 0.36% (أي 1-0.64) ونسبة الرضّع سلبيي فيروس العوز المناعي البشري الذين فشلوا في قلب تفاعلية المصل بعد الجرعة الأولى للِّقاح كانت 0.14 (أي [1-0.87] + [1- 0.85] مقسومة عى 2). وأُخذت القيم الدالة على نسبة الرضّع الذين بقوا أحياء حتى بلوغ عامهم الأول من تحليل تجميعي للمعطيات من أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى حيث كانت تقديرات الرضّع إيجابيي فيروس العوز المناعي البشري والسلبيين الذين بقوا أحياء حتى بلوغ عامهم الأول 0.648 و0.951 على الترتيب.34 واشتُقت القيمة التي تدل على جميع الرضّع الذين بقوا أحياء حتى بلوغهم عامهم الأول من تقدير مرجَّح لنسبة الرضّع إيجابيي فيروس العوز المناعي البشري والسلبيين والنسب المتوقَّعة للبُقيا الخاصة بكل منهم. وقُدِّرت نسبة الرضّع الإيجابيين ممن يتلقون معالجة مضادة للفيروسات القهقرية ب0.19 عام 2008، و0.27 عام 2009، و0.31 عام 2010، و0.40 عام 2011. 36،35 وتم إجراء التحليل باستخدام برنامج Stata (StataCorp.LP,College Station، الولايات المتحدة الأمريكية) وWinBUGS (MRC Biostatics Unit، كامبريدج، المملكة المتحدة لبريطانيا العظمى وأيرلندا الشمالية). وتم إنشاء خرائط الاختطار في MapInfo Professional (Pitney Bowes Inc.، ستامفورد، الولايات المتحدة الأمريكية).

النتائج

أظهرت المعطيات الديموغرافية أنّ وقوع المرض بين عامي 2009 و2011 كان أعلى بين الرضّع: 61 حالة لكل 10000 (مجال الموثوقية 95%: 59.3- 62.4). وثاني أعلى وقوع كان بين الأطفال الذين تراوحت أعمارهم بين 1-4 سنوات: 7.3 حالة لكل 10000 (مجال الموثوقية 95%: 7.0-7.6). وكان الوقوع بين الأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين 10-14 سنة وبين 15-19 سنة أعلى منه عند الأطفال بعمر 5-9 سنوات. والوقوع عند خط الأساس بين الرضّع قبل وبعد الفاشية هو 1.0 لكل 10000 (مجال الموثوقية 95%: 0.9- 1.3).

كان هناك ذروتان في وقوع الحصبة عند الرضّع خلال الفاشية: الذروة الأصغر حدثت في الأسبوع 43 من العام 2009 وذروة أكبر قليلاً حدثت تقريباً بعد 20 أسبوعاً أي الأسبوع العاشر من عام 2010 (الشكل 1). لقد استعرف التحليل الفُرادي المناطق الصحية التي كان فيها ارتفاع معتد إحصائياً في اختطار الحصبة خلال مسار الفاشية (الشكل 2 والشكل 3). وكان واضحاً أنّ توزع وقوع المرض لاعشوائي (Moran's I global P < 001). وتمت مراقبة عدة مناطق مجاورة (أي متصلة): في مقاطعة كيب الغربية Western Cape في جنوب غرب البلاد وفي مقاطعتي غوتنغ Gauting ومبومالانجا Mpumalanga في الشمال ومقاطعة كوازولو ناتال Kwazulu-Natal على الساحل الشرقي (الشكل 2). بالإضافة إلى ذلك كان الوقوع مرتفعاً في المناطق الحضرية. ويبين الشكل 3 الوقوع المقدَّر للحصبة عند الرضّع في جميع المناطق والوقوع الأساسي الوطني عند الرضّع قبل بداية الفاشية والوقوع الوطني أثناء الفاشية. والمنطقتان الصحيتان صاحبتا أعلى معدّل وقوع هما مقاطعتا كيب الشمالية وكوازولو ناتال على الترتيب، تليهما منطقتا جوهانسبرغ (غوتنغ) وeThekwini (كوازولو ناتال) الحضريتان.

الشكل 1. معدلات وقوع الحصبة عند الرضّع خلال الفاشية، جنوب أفريقيا، 2009- 2011
الشكل 2. نسب اختطار الحصبة عند الرضّع في المناطق الصحية خلال الفاشية، جنوب أفريقيا، 2009- 2011
الشكل 3. وقوع الحصبة بين الرضّع في جميع المناطق الصحية خلال الفاشية، جنوب أفرقيا، 2009- 2011

أول ارتفاع معتد إحصائياً في الاختطار حدث في منطقة تيشواين Tshwane الحضرية خلال الأسابيع 35 و36 من عام 2009 قبل ذروة الوقوع الأولى. وفي الأسبوع 37 امتدّ هذا الارتفاع إلى المناطق الحضرية المجاورة في جوهانسبرغ وإيكوروليني Ekuruleni. ويشير تحليل الفترة الزمنية التي سبقت الذروة الأولى إلى أنّ الفاشية قد تركزت في مقاطعة غوتنغ. ويبين الشكل 4 والشكل 5 المناطق الصحية الأكثر تأثراً بالفاشية عند ذروتي الوقوع. وكانت المناطق الصحية ذات الوقوع الأعلى متماثلة في الذروتين رغم أنّ الفاشية كانت أكثر انتشاراً في الذروة الأولى. ولم يبدُ أنّ هناك أيّ انتشار إلى المناطق الصحية المحيطة بها.

الشكل 4. ارتفاع اختطار الحصبة عند الرضّع في المنطقة الصحية خلال الذروة الأولى للفاشية،(أ) جنوب أفريقيا 2009
الشكل 5. ارتفاع اختطار الحصبة عند الرضّع في المنطقة الصحية خلال الذروة الثانية للفاشية،(أ) جنوب أفريقيا، 2010

العوامل المرتبطة بفاشيات الحصبة

بلغ وسطي تغطية الجرعة الأولى للقاح الحصبة في جميع المناطق الصحية 88.1% (المجال: 85.4- 90.7). وفشلت عدة مناطق بشكل متكرر في الوصول إلى النسبة الهدفية 90%: حيث أنّ 56.9% و49% و64.5% من المناطق الصحية كانت التغطية فيها أدنى من هذه القيمة الحاسمة في الأعوام 2008 و2009 و2010 على التوالي. وأظهر اختطار حدوث الحصبة عند الرضّع في منطقة صحية ما ترابطاً إيجابياً مع نسبة الرضّع غير الملقَّحين ونسبة الرضّع غير الممنَّعين في السنة السابقة (الجدول 1). بالإضافة إلى ذلك ازداد اختطار العدوى في المناطق الصحية الحضرية وكلها ذات كثافة سكانية مرتفعة (P< 0.001). وتكهّن النموذج أنّ النسبة الحدية الحاسمة لتغطية الجرعة الأولى للِّقاح هي 0.2. وبالتالي سيرتفع الاختطار (أي نسبة الاختطار RR> 1) في المناطق المكتظة بالسكان والتي تتجاوز فيها نسبة الرضّع المستعدين للإصابة 20% نظراً لضعف تغطية التلقيح في السنوات السابقة (الشكل 6). وتشير التآثرات ثنائية المتغير إلى أنّ العتبة ستكون أعلى في المناطق الأقل كثافة سكانية. والمناطق الصحية التي تتجاوز كثافة سكانها 750 نسمة لكل كيلومتر مربع يبدو أنها أيضاً عالية الاختطار (الشكل 7). وباستخدام المعطيات المتعلقة بمستوى تغطية الجرعة الأولى للِّقاح في المناطق الصحية عام 2011 تكهّن النموذج بأنّ المناطق عالية الاختطار والتي تتجاوز فيها نسبة المستعدين للإصابة المستوى الحدّي الحاسم في عام 2012 تقع بشكل أساسي في كوازولو ناتال (الشكل 8). ونظراً لأنّ هذه المناطق متصلة للغاية (أي متجاورة) فإنّ الفاشية قد تنتشر بسرعة.

الشكل 6. الاختطار النسبي المتوقَّع(أ) للحصبة بين الرضّع في منطقة مزدحمة، وفقاً لنسبة الرضّع المستعدين للإصابة(ب)
الشكل 7. الاختطار النسبي للحصبة عند الرضع، وفقاً للكثافة السكانية في المنطقة الصحية، جنوب أفريقيا، 2009- 2011
الشكل 8. مناطق الاختطار المرتفع المتوقَّعة(أ) لحدوث الحصبة بين الرضّع في عام 2012، جنوب أفريقيا

المناقشة

لقد أظهرت الدراسة أنّ عدوى فيروس العوز المناعي البشري والثغرات السابقة في التلقيح والكثافة السكانية المرتفعة كانت مرتبطة بازدياد اختطار فاشية الحصبة ويقدم النموذج التكهني الذي وضعناه وسيلة لاستعراف المناطق عالية الاختطار لحدوث فاشية مستقبلية أو حيث لا تحقق مناعة القطيع معايير التخلص من المرض. وفي البيئات محدودة الموارد لا بدّ من التركيز على المناطق عالية الاختطار التي تكون تغطية التلقيح فيها ضعيفة وحيث قد يدعم احتشاد السكان المستعدين للإصابة فيها حدوث فاشيات مستقبلية. يمكن أن يُطبَّق نموذجنا، والذي يأخذ في الاعتبار تأثير العدوى بفيروس العوز المناعي البشري، على بيئات أخرى لا تزال تعاني من مشكلة فاشيات الحصبة، ويمكن تعديله بسهولة لتطبيقه على أمراض أخرى قابلة للوقاية باللِّقاح.

كانت فئة الرضّع هي صاحبة الاختطار الأكبر في الفاشية التي درسناها. وهذا ليس غريباً حيث أنّ أجهزتهم المناعية غير مكتملة. ورغم أنّ أضداد الحصبة الأمومية التي تحصّن عادة الرضّع خلال الستة أشهر الأولى من الحياة تشير الدراسات إلى أنّ الرضّع للأمهات اللواتي لديهن مناعة محرَّضة بالتلقيح والأمهات إيجابيات فيروس العوز المناعي البشري يتلقون أضداداً أقل بكثير.37-39 بالإضافة إلى ذلك فقد تبين أنّ عدوى فيروس العوز المناعي البشري عند الرضّع في أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى تُنقص قدرتهم على قلب تفاعلية المصل بعد التلقيح.33 هذه العوامل تؤثر على مناعة القطيع: فاحتشاد السكان في منطقة فيها تغطية ضعيفة باللِّقاح وانتشار مرتفع للعدوى بفيروس العوز المناعي البشري قد تؤدي إلى حدوث فاشيات حصبة كبيرة. وفي المناطق التي تنتشر فيها الحصبة وعدوى فيروس العوز المناعي البشري،40 فإنّ كلاً من الرضّع المصابين بعدوى فيروس العوز المناعي البشري والرضّع المعرَّضين لهذا الفيروس ولكن غير مصابين قد يستفيدون من التلقيح السابق.38

وعموماً وجدنا أنّ التغطية الوطنية بالجرعة الأولى للِقاح الحصبة في جنوب أفريقيا كانت مرتفعة، نحو 88%، ولكنها متغيرة حيث كانت التغطية في عدة مناطق مناطق صحية أقل من 90%. وخلصت دراسة سابقة في البلد إلى أنّ التغايرية في تغطية لِقاح الحصبة تشكل تحدياً أمام هدف التخلص من الحصبة ونشاطات التمنيع الإضافي لها تأثير سلبي على تغطية التمنيع الروتيني وأداء النظام الصحي.42،41 وينبغي استهداف مناطق التغطية المنخفضة باللِّقاح بشكل متكرر. ومن المهم أيضاً تنسيق أنشطة التمنيع الإضافي بين البلدان المجاورة خلال الفاشية المنتشرة. وذُكر أنّ الحالات المشاهَدة مباشرة بعد التمنيع الإضافي غالباً ما تكون بسبب الهجرة من المناطق المجاورة التي لم يحصل فيها.43

وتشير نتائجنا إلى أنّ كلاً من حشود السكان المستعدين للإصابة بسبب ضعف تغطية التلقيح والكثافة السكانية المرتفعة قد ساهما في فاشية جنوب أفريقيا. وبشكل مشابه فإنّ فاشية الحصبة الكبيرة في سيراليون خلال عامي 2009 و2010 كان سببها على الأرجح تراكم الأفراد المستعدين للإصابة بسبب عدم التلقيح.44 إنّ التأثير التراكمي لعدم التلقيح مهم ويبرر استخدام نموذجنا التكهني ليساعد في استعراف واستهداف المناطق ذات العدد الكبير من الأفراد المستعدين للإصابة. ولاحظنا أنّ فاشية الحصبة في جنوب أفريقيا لها توزع فُرادي لا عشوائي مع ترابط قوي كما في غيرها من الدراسات.45،11 كما أشارت دراسات سابقة إلى أنّ فاشيات الحصبة عادة ما تستمر خلال أغوار الوباء عندما يتجاوز المجتمع حجماً حرجاً (حاسماً). وتحت هذه العتبة تميل الحصبة نحو الإنطفاء خلال الأغوار.46،45 وتشير النتائج التي توصلنا إليها أنه حالما تتجاوز النسبة المئوية للسكان المستعدين للإصابة بالحصبة في منطقة صحية مزدحمة بالسكان 20% يزداد اختطار العدوى. وتبين أنّ منطقة صحية فيها عدد أقل من الأشخاص المستعدين للإصابة تكون مرنة بشكل ملحوظ للاختراق بالحصبة خلال الفاشية. وإنّ ملاحظتنا لوجود ارتفاع في اختطار فاشية الحصبة معتد إحصائياً في مناطق الكثافة السكانية المرتفعة والمناطق الحضرية ذُكرت أيضاً في إعدادات أخرى.45،11 إنّ الطبيعة المتصلة بشدة لهذه المناطق ربما تكون قد ساهمت في استمرار الفاشية.

وتتضمن محدِّدات الدراسة نقص الإبلاغ المحتمل عن حالات الحصبة وتجزئة خدمات التلقيح وتبدّل في جدول التلقيح عام 2009 والتبدلات المتكررة في أشكال التبليغ خلال السنوات الخمس الماضية. وربما يكون نقص الإبلاغ في منطقة صحية معينة قد أثر على النموذج الفُرادي المشاهَد وأضعف الترابطات مع المؤشرات المفتاحية. بالإضافة إلى ذلك لا يمكننا أن نستبعد إمكانية التحيُّز البيئي نظراً لاستخدام المعطيات المتكدسة عن التلقيح ضد الحصبة والعدوى بفيروس العوز المناعي البشري.

لدراستنا تأثيرات هامة على التخلص من الحصبة في جنوب أفريقيا وأفريقيا جنوب الصحراء الكبرى. ويبدو أنّ الثغرات في التمنيع والعبء المرتفع للعدوى بفيروس العوز المناعي البشري واحتشاد السكان المستعدين للإصابة عوامل مهمة في دفع الفاشية الفُرادية خصيصاً في المناطق المزدحمة. ويعرَّف التمنيع الإضافي بأنه استراتيجية تداركية. وهو أيضاً مكلف وقد لا يتم تنفيذه بالسرعة الكافية للحدّ من الفاشية وله تأثير سلبي على خدمات التمنيع الروتيني.47،41 إنّ استعراف واستهداف المناطق عالية الاختطار في البيئات محدودة الموارد حيث تغطية التلقيح منخفضة أو متراجعة يشكل استراتيجية أكثر جدوى للوقاية من الفاشيات في أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى مقارنة مع التلقيح التكميلي الشامل. إنّ تحسن التغطية باللِّقاح في المناطق الصغيرة من خلال حملات استهداف مركزة وتقوية الخدمات الروتينية هي حلول ممكنة.


الشكر والتقدير

نتوجه بالشكر إلى الأستاذ John Pettifor. وكذلك Cheryl Cohen المرتبطة بمدرسة الصحة العمومية، جامعة Witwatersrand.

تضارب المصالح:

لم يصرح بأي منها.

المراجع