المديرة العامة

المديرة العامة لمنظمة الصحة العالمية تلقي كلمة أمام المجلس الاقتصادي والاجتماعي للأمم المتحدة بشأن التهديد الذي تشكله الإيبولا

الدكتورة مارغريت تشان
المديرة العامة لمنظمة الصحة العالمية

الكلمة الرئيسية في اجتماع المجلس الاقتصادي والاجتماعي بشأن "الإيبولا: خطر يهدد التقدم الاقتصادي والاجتماعي"
نيويورك، الولايات المتحدة الأمريكية

5 كانون الأول/ديسمبر 2014

أصحاب السعادة، الممثلون الموقرون للبعثات، وكالات الأمم المتحدة المماثلة، سيداتي وسادتي،

إنني أعرب عن شكري لرئيس المجلس الاقتصادي والاجتماعي على عقده هذا الاجتماع الهام.

إن وباء الإيبولا الذي يجتاح أجزاءً من غرب أفريقيا يُعد النموذج لمرض قديم ظهر في سياق جديد سمح له بأن ينتشر دون أن يتم اكتشافه طيلة ثلاثة أشهر، وبأن ينطلق على نحو لم يسبق له مثيل.

ماهي العوامل السياقية التي تؤدي إلى تفاقم الوباء؟

كانت هذه أول مرة تواجه فيها منطقة غرب أفريقيا مرض فيروس الإيبولا. ولم يسبق أن تولى أي من الأخصائيين السريريين التدبير العلاجي لحالة أي مريض بهذا المرض. ولم يسبق لأي مختبر التعامل مع عيّنات التشخيص. ولم تكن لدى أية حكومة الخبرة اللازمة لفهم الأثر الذي يمكن أن يلحق بمستقبل البلد من جراء مرض مثل الإيبولا.

وتعتبر البلدان الثلاثة الأكثر تضررا،ً وهي غينيا وليبيريا وسيراليون، من أفقر بلدان العالم. كما أن حدودها غير محكمة ومعدلات تنقل السكان عالية فيها لأن الناس ينتقلون من مكان إلى آخر بحثاً عن العمل.

وساهم تنقل مرضى الإيبولا عبر الحدود، بحثاً عن أسرّة العلاج، في استشراء سلاسل سريان المرض، ونوبات احتدام في المناطق التي كانت على وشك مكافحته.

وشكلت ممانعة المجتمع المحلي مشكلة في حد ذاتها، مما أدى إلى إخفاء الحالات ودفن الموتى في الخفاء. وأدت الاضطرابات التي تسببت فيها المجتمعات المحلية تعبيراً عن غضبها وخوفها، وكذلك إضرابات العاملين في مجال الرعاية الصحية وفرق دفن الموتى، إلى المزيد من العرقلة لجهود مكافحة المرض.

وكان قد لحق الضرر أو الدمار بالبنى التحتية للصحة العمومية في البلدان الثلاثة خلال سنوات الحرب الأهلية والاضطرابات التي شهدتها. ولم يكن يتوفر في البلدان الثلاثة سوى طبيب واحد أو طبيبين لخدمة 000 100 نسمة تقريباً. وأصبح عدد الأطباء اليوم أقل حتى من ذلك العدد، نظراً لإصابة 600 من الأطباء والممرضين والعاملين في مجال الرعاية الصحية بالعدوى، ووفاة أكثر من نصفهم.

سيداتي وسادتي،

إن هذه البلدان كانت تحقق تقدماً بارزاً في مجالي الصحة والتنمية قبل ظهور هذا الوباء.

وذلك أكبر أوبئة الإيبولا وأطولها أمداً وأشدها وخامة وتعقيداً طيلة تاريخ هذا المرض الذي يبلغ أربعة عقود تقريباً. فما بدأ في أول الأمر كأزمة صحية قد تحوّل إلى أزمة ذات آثار إنسانية واجتماعية واقتصادية وأمنية.

وتم فرض الحظر على السفر والتجارة. وتعطلت الأسواق. وأصاب البوار الحقول. ويتنقل الخوف من الإيبولا أسرع من انتشار الفيروس. وهذا الفيروس لا يرحم أحداً.

وكانت غينيا، التي شهدت الفاشية الأولى، قد واجهت على الأقل ثلاث موجات دورية من الحالات المتراجعة تبعتها نوبات احتدام وظهور نقاط ساخنة في أماكن جديدة.

وتحرز ليبيريا، وهي أكثر البلدان تضرراً، تقدماً جيداً، ولكن لا يمكننا أن نقنع بأن الفيروس انتقل من المدن الكبرى إلى المناطق الريفية النائية.

ولايزال عدد الحالات يزداد في سيراليون، ولاسيما في فريتاون. ويقوم شركاء التنمية ووكالات الأمم المتحدة بتعزيز العمل على دعم الحكومة.

سيداتي وسادتي،

من شبه المؤكد استمرار الأنماط الدورية للمكافحة الواضحة التي يعقبها السريان المكثف للعدوى، مادامت المجتمعات المحلية ترفض التعاون مع فرق الاستجابة، ومادامت الأسر مستمرة في إخفاء الحالات ورفض مراسم الدفن المأمونة، ومادام الجمهور ينظر إلى مراكز العلاج كأماكن للإصابة بالعدوى والموت شبه المحتم.

ولكن هناك بعض النقاط المضيئة، مثل النصر السريع الذي تحقق في السنغال ونيجيريا، والجهود الدؤوبة التي بذلتها مالي لحصر سريان العدوى في عدد قليل جداً من الحالات بعد دخول حالتين وافدتين من غينيا.

ومن النقاط المضيئة الأخرى الدعم الذي لم يسبق له مثيل من المجتمع الدولي والمنظمات غير الحكومية وبعثة الأمم المتحدة للاستجابة الطارئة للإيبولا UNMEER.

وتوفر منظمة الصحة العالمية الدراية التقنية لوقف السريان من خلال تكييف الاستراتيجيات الجديدة حسب تطور الفاشية. ويقوم برنامج الأغذية العالمي بمشاركة قدراته اللوجستية مع الوكالات الأخرى، فضلاً عن توفيره الأغذية والإمدادات الأخرى لتلبية الاحتياجات اليومية.

وساهم البنك الدولي بملايين الدولارات لدعم العمليات الاستراتيجية. ونظّمت اليونسيف، من بين أنشطة أخرى، حملات التعبئة الاجتماعية الضخمة التي تستهدف تغيير السلوكيات التقليدية. ويتولى متطوعو الصليب الأحمر والهلال الأحمر تنظيم أغلب مراسم الدفن المأمونة.

وأخيراً فإن وباء الإيبولا أتاح فرصاً لهذه البلدان لإعادة بناء البنى التحتية للصحة العمومية ونظمها ولتعزيزها، بما في ذلك الموارد البشرية، بهدف كشف الفاشيات والتحديات الأخرى المتعلقة بالصحة والاستجابة لها.

وتُعتبر النظم الصحية المرنة هامة نظراً لقدرتها على الصمود أمام الصدمات التي يشهدها عالمنا في القرن الحادي والعشرين بوتيرة وقوة أكبر من أي وقت مضى. وقد يكون مصدر هذه الصدمات فيروساً قاتلاً أو مناخاً متغيراً.

سيداتي وسادتي،

اسمحوا لي أن أختم كلمتي بملاحظة إيجابية.

قبل عام من الآن كانت الرسالة المتعلقة بالإيبولا رسالة قاتمة. فهذا المرض فتاك ومروع ولا يوجد أي لقاح أو علاج مضاد له ولا يرجى الشفاء منه.

ولكن الوضع لم يعد كذلك تماماً بفضل الجهود التي يبذلها العلماء وقطاع الصناعة المعني.

إن الجهود تتسابق من أجل التعجيل بالبحث والتطوير في مجال لقاحات الإيبولا. وتجري تجارب سريرية ذات نتائج واعدة.

كما أن منظمة الصحة العالمية، التي تعمل مع الخبراء والعلماء من جميع أنحاء العالم، أعطت الأولوية لعدد من العلاجات التجريبية، بما في ذلك بعض العلاجات الشافية المحتملة والتي تخضع أيضاً للتجارب السريرية.

وأغلبية الخبراء مقتنعون بأن هذه الفاشية لن تكون أكبر الفاشيات في أفريقيا. ففي 22 بلداً على الأقل، هناك ظروف إيكولوجية وأنواع من الأحياء البرية وممارسات صيد مواتية لعودة الإيبولا من جديد في وقت ما في المستقبل.

وأرى أن التجارب الجماعية المجراة حتى اليوم ستساعد العالم على التأهب بشكل أفضل بكثير للاستجابة لمثل هذا الحدث. وهذا الأمر يصح بوجه خاص إذا تم تخصيص المزيد من الموارد لإنشاء بنى صحية أساسية للصحة العمومية ونظم صحية تتسم بالمرونة، ولاسيما الخدمات الصحية القوية في المجتمعات المحلية، على أساس الرعاية الصحية الأولية.

إن المنسّق، الدكتور بول فارمير، يعرف ذلك جيداً.

وشكراً لكم.

روابط ذات صلة