مولود متحرِّر من أغلال فيروس العوز المناعي البشري

حزيران/ يونيو 2015

في كوبا، يولد اقل من 2% من أطفال الأمهات المصابات بفيروس العوز المناعي البشري مصابين بالفيروس نفسه، وهذه النسبة هي أقل نسبة يمكن بلوغها باستخدام أساليب الوقاية المتاحة حالياً. ونتيجة لذلك، تلقت كوبا مؤخراً مصادقة رسمية من منظمة الصحة للبلدان الأمريكية/ منظمة الصحة العالمية على أنها قضت على انتقال فيروس العوز المناعي البشري من الأم إلى الطفل.

أم مع ولدها
منظمة الصحة للبلدان الأمريكية/ منظمة الصحة العالمية/S. Oliel

كانت يونايسي قد اكتشفت أنها مصابة بفيروس العوز المناعي البشري قبل حملها الثالث، وذلك خلال كشف طبي روتيني في مركز برناردو بوسي الصحي الواقع في حيّ سان ميغيل دل بادرون في هافانا، كوبا. بيد أن معرفة أنها تتعايش مع هذا الفيروس لم تحل دون رغبتها في إنجاب طفل آخر. وعن ذلك تقول "كل ما كنت أريد لطفلي هو أن يولد موفور الصحة". وهذا ما حدث.

لقد اتّبع الأطباء والممرضات الذين قاموا برعايتها سلسلة من الخطوات لمنع انتقال فيروس العوز المناعي البشري إلى طفلها خلال الحمل والولادة والإرضاع. وبعد عمل الاختبارات الخاصة بالفيروس وتأكيد وجوده، وصفوا العلاج المضاد للفيروسات القهقرية وأعَدّوا العدّة، بموافقتها، لعملية قيصرية في الأسبوع الثامن والثلاثين من حملها. وبعد الولادة، أعطوا وليدها، رؤول أنطونيو، أدوية أيضاً وتابعوه بكشف طبي دوري حتى بلغ عمره 18 شهراً. واتّبعت أمه توصيات الطبيب بعدم إرضاعه عندما علمت أن لبن الأم يُمكن أن ينقل الفيروس إلى رضيعها. وبدلاً من ذلك، استخدمت أحد بدائل لبن الأم.

ويونايسي هي واحدة من بين أكثر من 2600 امرأة كوبية تتراوح أعمارهن بين 15 و49 عاماً من المتعايشات مع فيروس العوز المناعي البشري اللائي تُتاح لهن الآن إمكانية إنجاب طفل غير مصاب بالفيروس. ومنذ عام 2012، لم تسجل كوبا سوى حالة أو حالتين من الإصابة بالفيروس بين الأطفال سنوياً، وهو رقم منخفض إلى حدّ يُمكن معه اعتبار أنه تم القضاء على الانتقال من الأم إلى الوليد (لأن أقل من 2% من مواليد الأمهات المصابات بالفيروس مصابون به أيضاً - وهذه النسبة هي أقل نسبة يمكن بلوغها باستخدام أساليب الوقاية المتاحة حالياً). وبسبب هذا الإنجاز، استحقت كوبا اعتراف منظمة الصحة العالمية بأنها أول بلد في العالم يقضي على انتقال فيروس العوز المناعي البشري والزهري الخلقي من الأم إلى الطفل.

"تُبيّن كوبا للعالم أن صحة الأمهات والمواليد تحظى بالأولوية وأن بالإمكان وقف انتقال وباء فيروس العوز المناعي البشري إلى الأجيال الجديدة"

ماركوس إسبينال، مدير إدارة الأمراض السارية والتحليل الصحي، منظمة الصحة للبلدان الأمريكية/ منظمة الصحة العالمية

وتقول ماريا إزيلا لانتيرو، رئيسة برنامج كوبا الوطني لمكافحة الأمراض المنقولة جنسيا/ فيروس العوز المناعي البشري/ الأيدز إن تحقيق استراتيجية القضاء على المرض في البلد ترجع إلى وجود "نظام صحي متاح ومجاني وشامل يسمح لنا بالوصول إلى الجميع وضمان تلقيهم خدمات الوقاية من هذه الأمراض".

وطبقاً للانتيرو، تخضع جميع الحوامل في الجزيرة عادة عشر مرات لكشف طبي قبل الولادة. وتُتاح لهن إمكانية إجراء اختبار فيروس العوز المناعي البشري والزهري خلال كل شهور الحمل، كما تُقدم لهن معلومات عن الوقاية من الأمراض المنقولة جنسيا إلى جانب المشورة الخاصة بتنظيم الأسرة والحصول على العوازل الطبية.

وفي كوبا، تلقت نسبة قدرها 98.6% من الحوامل المصابات بفيروس العوز المناعي البشري و100% من المواليد المعرَّضين علاجاً في عام 2013، طبقاً لأحدث بيانات رسمية متاحة عن ذلك العام. وتقول الدكتورة رايسا مونتيرو لوبيز، التي تتابع يونايسي في عيادة برناردو بوسي المتعددة التخصصات "تُصرف الأدوية مجاناً في الصيدلية. وكل شهر، تأتي هي أو أحد أفراد أسرتها لتسلم الأدوية باستخدام بطاقة لا يدوَّن فيها اسم المريض من أجل الحفاظ على سرية التشخيص. وهذه البطاقة هي أيضاً وسيلة لرصد مدى الالتزام بالعلاج".

إنجاز تاريخي

كان شهر حزيران/ يونيو 2015 قد اقترب من نهايته عندما صارت كوبا أول بلد في العالم يحصل من منظمة الصحة العالمية على مصادقة بالقضاء على انتقال فيروس العوز المناعي البشري والزهري الخلقي من الأم إلى الطفل (الانتقال الرأسي). وكانت عملية المصادقة شاملة وتضمنت إعداد تقرير قطري عن حالة المَرَضَين على السواء، وإرسال بعثة إلى كوبا مكونة من لجنة إقليمية من الخبراء المستقلين أنشأتها منظمة الصحة للبلدان الأمريكية، وإجراء استعراض من جانب لجنة مصادقة عالمية أوصت المديرة العامة للمنظمة، الدكتورة مارغريت تشان، بـتأكيد القضاء على انتقال الفيروس.

وقد أدت هذه العملية أيضاً إلى المصادقة على قضاء كوبا على الانتقال الرأسي للزهري. والزهري مرض قديم، ولكنه مرض يسهل القضاء عليه بالعلاج السليم. ويتمثل إنجاز كوبا في تسجيل أقل من 5ر0 حالة لكل 1000 مولود حي سنوياً. ففيما بين عامي 2012 و2013، أبلغ البلد عن حدوث 3 حالات للزهري الخلقي (صفر في عام 2012 و3 في عام 2013، بما يناظر معدليّ عدوى قدرهما صفر و 0.02، على الترتيب).

وترعى إيفا كورّيا، وهي طبيبة أمراض جلدية في عيادة برناردو بوسي المتعددة التخصصات، الحوامل المصابات بالزهري اللائي يُحوَّلن إليها من الأطباء ومن الممرضات المتخصصات في فيروس العوز المناعي البشري والأمراض المنقولة جنسيا والمعروفات في كوبا باسم "ممرضات التقصي".

وتقول كورّيا "هنا نرى المريضة ونجري معها مقابلة شخصية ونفحصها بدنياً ونبدأ علاجها ونشرح لها أن كل ذلك يجري لكي لا يولد طفلها وهو مصاب بالزهري الخلقي". فالزهري الخلقي، الذي ينتقل إلى المواليد من أمهاتهم، يُمكن أن يسبب مشاكل صحية وخيمة في صفوف الأطفال.

وشرحت كورّيا أن المرأة المصابة بالزهري تظل خاضعة للرصد لمدة سنتين بعد أن تضع حملها. ويُحدِّد اختبار حالة المولود، الذي يُمكن الشروع في إعطائه علاجاً مدته 10 أيام. واستطردت قائلة "لم نشهد في هذه العيادة المتعددة التخصصات حالة واحدة لمولود في هذا الوضع".

وتتمثل استراتيجية كوبا للقضاء على الزهري في إتاحة إمكانية إجراء اختبارات الزهري للحوامل خلال كل شهور الحمل وعلاج الحالات الإيجابية، وكذلك اختبار وعلاج قُرَنَاء هؤلاء النساء ومواليدهن. وتخضع النساء للفحص عند استقبالهن من أجل الولادة. وطبقاً لبيانات عام 2013 الرسمية، جرى فحص نسبة قدرها 99.3% من الحوامل لتحديد حالتهن، كما خضعت نسبة تتجاوز 97.8% من الحالات الإيجابية للعلاج.

ويقول ماركوس إسبينال، مدير إدارة الأمراض السارية والتحليل الصحي في منظمة الصحة للبلدان الأمريكية/منظمة الصحة العالمية "تُبيّن كوبا للعالم، بقضائها على انتقال هذين المرضين، أن صحة الأمهات والمواليد تحظى بالأولوية وأن بالإمكان وقف انتقال وباء فيروس العوز المناعي البشري إلى الأجيال الجديدة." والعوامل الحاسمة الأخرى في هذا الصدد هي في رأيه "التكامل القوي" للنظام الصحي في كوبا و"التآزر بين برنامج مكافحة فيروس العوز المناعي البشري التابع لوزارةالصحة العمومية وبرنامجها الخاص بصحة الأم والطفل، الذي حرص على تحقيق القضاء على هذين المرضين".

وبالإضافة إلى كوبا، تشمل البلدان الأخرى التي ربما تكون قد نجحت أيضاً في القضاء على هذين المرضين والتي ربما تكون في وضع يسمح لها بطلب مصادقة منظمة الصحة العالمية أنغيلا وبربادوس وبورتوريكو وتايلند وجمهورية مولدوفا ومونتيسيرات وكندا والولايات المتحدة الأمريكية.

ومنذ عام 2010، تعاونت منظمة الصحة للبلدان الأمريكية/منظمة الصحة العالمية مع بلدان إقليم الأمريكتين على تنفيذ مبادرة إقليمية للقضاء على انتقال فيروس العوز المناعي البشري/الأيدز والزهري الخلقي من الأم إلى الطفل. وفي عام 2013، وُلد 2324 طفلاً مصاباً بفيروس العوز المناعي البشري في منطقة أمريكا اللاتينية والكاريبي، وهذا العدد يقل بنسبة 45% عمّا كان عليه في عام 2010. ويقول إسبينال "يتعيّن علينا أن نضطلع بجهود أكبر حتى من هذا لكي لا يولد في إقليمنا طفل مصاب بفيروس العوز المناعي البشري أو الزهري."

وفي غضون ذلك، ما زال رؤول الصغير متمتعاً بالصحة، مبيّناً بذلك أن الهدف المتمثل في ولادة صبيان وبنات متحررين من أغلال فيروس العوز المناعي البشري والزهري في مختلف أنحاء الإقليم الأمريكي هو هدف قابل للتحقيق.