العاملون في مجال الإغاثة يتبادلون تجاربهم بشأن عمليات إجلاء السكان من حلب الشرقية، سوريا

كانون الثاني/ يناير 2017

أسفر احتدام الصراع الناشب في حلب الشرقية منذ تموز/ يوليو 2016 عن وقوع آلاف الجرحى والقتلى وحرمان السكان المدنيين من الخدمات الأساسية، بما فيها خدمات الرعاية الصحية. واستهل المجتمع الإنساني في أيلول/ سبتمبر 2016 مفاوضات مع الأطراف المتنازعة من أجل استحصال موافقة على تنفيذ خطة معنية بإجلاء السكان ومساعدتهم للأغراض الطبية من شأنها أن تتيح المجال أمام إيصال الأدوية إلى المدينة وإجلاء السكان المدنيين.

وقد وضعت منظمة الصحة العالمية (المنظمة) مجموعة كاملة من الوثائق العملية بشأن الإجلاء لأغراض طبية، بما فيها المفهوم المبيّن بالتفصيل للعمليات والاتفاقات مع الشركاء المحليين من المنظمات غير الحكومية. وجرى مقدماً توزيع الإمدادات الطبية الأساسية، ومنها الأدوية المنقذة للأرواح، في المرافق الصحية الواقعة على طرق الإجلاء المحتملة، ووُضِعت الاتفاقات الاحتياطية بشأن نقل السكان بسيارات الإسعاف في صيغتها النهائية مع الشركاء المحليين من المنظمات غير الحكومية للتمكّن من إجلاء السكان للأغراض الطبية.

واستمرت المفاوضات مع الأطراف المتنازعة لمدة 3 أشهر، وإن تخللتها نكسات عدّة بسبب انعدام الضمانات الأمنية أو عدم منح تراخيص الدخول. وأُعلِن أخيراً في 13 كانون الأول/ ديسمبر عن خطة لإجلاء المدنيين من حلب الشرقية، وقد نُفِذّت أولى عمليات إجلاء المدنيين من الأحياء المحاصرة في حلب الشرقية يوم 15 كانون الأول/ ديسمبر.

اصطفاف سيارات الإسعاف عند نقطة النقل في انتظار وصول السكان المقرّر إجلاؤهم من حلب الشرقية
اصطفاف سيارات الإسعاف عند نقطة النقل في انتظار وصول السكان المقرّر إجلاؤهم من حلب الشرقية
المجموعة الصحية لسوريا

وفيما يلي رواية أحد العاملين الصحيين لتجربته: "لقد وصلنا في اليوم التالي لسماعنا أن عمليات الإجلاء ستمضى قدماً إلى نقطة النقل أو نقطة الصفر مثلما سمّيّناها في حوالي الساعة 5.00 صباحاً لكي نلتقي بالمرضى الذين كان يتعيّن إجلاؤهم وإحالتهم إلى المرافق الصحية. وكانت جميع الفرق حاضرة على الأرض والمستشفيات مستعدة لاستقبال المرضى، كما كانت سيارات الإسعاف جاهزة عند نقطة الصفر وكان هناك المزيد منها تقف على طريق الإجلاء من حلب الشرقية إلى مدينة غازي عنتب. وقد انتظرنا وصول أولى قوافل المرضى، ولكن لم يأت أحد منهم.

وبعد مضي عشر ساعات في تمام الساعة 15.00 من بعد ظهيرة ذاك اليوم علمنا أن أول قافلة من المرضى كانت في طريقها إلينا. وما إن رأيت أول سيارة من سيارات الإسعاف حتى بدأت في البكاء، ولم أكن أنا وحدي من فعل ذلك – بل لاحظت زملاء آخرين يخفون دموعهم. وكان شعوراً بالارتياح لا يُصدّق لأن هذا الأمر قد تمّ في نهاية المطاف، ولأننا كنا ننتظر تلك اللحظة منذ 3 أشهر مضت ووضعنا جميع خططنا من أجل تحقيقها".

عائلة من حلب الشرقية وصلت إلى نقطة النقل وزُوِّد طفلها الرضيع بالرعاية الطبية قبل نقله إلى مستشفى في حلب الغربية
عائلة من حلب الشرقية وصلت إلى نقطة النقل وزُوِّد طفلها الرضيع بالرعاية الطبية قبل نقله إلى مستشفى في حلب الغربية
الرؤية العالمية

وتكلّل بالنجاح في الفترة الواقعة بين 15 و23 كانون الأول/ ديسمبر إجلاء أكثر من 086 36 شخصاً من حلب الشرقية، بمن فيهم رجال ونساء وأطفال وأشخاص مصابون بالعجز ومسنون. وكانت فرق الأمم المتحدة حاضرة لمراقبة عمليات الإجلاء ورصدها، وشُرِّد داخلياً عدد آخر قدره 158 80 شخصاً في المناطق الواقعة تحت سيطرة الحكومة بمدينة حلب وضواحيها.

وأيّدت المنظمة تنفيذ خطة إجلاء السكان المصابين بأمراض خطيرة والجرحى ومرافقيهم من أفراد أسرهم لأغراض طبية من حلب الشرقية.

هذا الصبي الصغير وصل إلى نقطة النقل وهو مصاب بكسر في ذراعه وانتظر فيها للمّ شمله بوالديه اللذين نُقِلا بسيارة اسعاف مستقلة
المجموعة الصحية لتركيا
هذا الصبي الصغير وصل إلى نقطة النقل وهو مصاب بكسر في ذراعه وانتظر فيها للمّ شمله بوالديه اللذين نُقِلا بسيارة اسعاف مستقلة

يروي أحد العاملين الصحيين متذكّراً: "أنه شاهد في سيارة إسعاف وصلت إلى نقطة الصفر طفلاً يبكي وكان مرتبكاً جداً، وظلّ يسألني عن المكان الذي كان فيه وعمّا إذا كان قد وصل. وكان والداه في حافلة أخرى وقد عانى مشاق الرحلة الطويلة لوحده وذراعه مكسورة، وقد جرى لمّ شمله بأسرته بفضل أحد أفراد الطاقم الطبي. ولن أنسى وجهه أبداً عندما وصل لأول مرة وبدت عليه ملامح الضياع والوحدة، وأنا على يقين من أنه لن ينسى كذلك تلك التجربة أبداً."

وقام الشركاء في المنظمة والمجموعة الصحية لتركيا بحشد أكثر من 156 سيارة إسعاف لنقل المرضى، وأُنشِئت نقاط للفرز الطبي في مراكز جمع السكان بالمنطقة الواقعة غرب ريف حلب.

وأُحِيل إجمالاً 811 مريضاً إلى المستشفيات الموجودة في حلب الغربية وإدلب، بما فيهم 100 امرأة و150 طفلاً تقريباً. ونُقِل من بين أولئك المرضى قرابة 100 مريض إلى مستشفيات تركيا ممّن احتاجوا إلى رعاية متخصصة، أما المرضى الآخرون فقد أُحِيلوا إلى 8 مستشفيات تقع في غرب ريف حلب وإدلب.

طبيب يفحص مريض من حلب الشرقية في إحدى العيادات الطبية المتنقلة
طبيب يفحص مريض من حلب الشرقية في إحدى العيادات الطبية المتنقلة
المجموعة الصحية لتركيا

وتولّت 26 فرقة متنقلة تقديم الخدمات الأساسية في ميدان الرعاية الصحية الأولية وفحص صحة المرضى النفسية وعلاجهم وتغذيتهم وفرز حالاتهم وإحالتهم في المناطق الواقعة على طول طريق الإجلاء، وأُسدِيت إجمالاً أكثر من 836 8 استشارة طبية في هذا المضمار.

وزُوِّدت المستشفيات الواقعة في غرب ريف حلب وإدلب التي تستقبل المرضى المصابين بمزيد من إمدادات الأدوية واللوازم الطبية، بما فيها العتائد الصحية اللازمة للطوارئ والمشتركة بين الوكالات فيما يخص أكثر من 000 300 علاج وعتائد اللوازم الجراحية وعلاج الرضوح لأكثر من 500 1 مريض.

موظفو المنظمة والهلال الأحمر العربي السوري يفحصون مريضاً مصاباً بجراح في نقطة النقل
المجموعة الصحية لسوريا
موظفو المنظمة والهلال الأحمر العربي السوري يفحصون مريضاً مصاباً بجراح في نقطة النقل

وقام الهلال الأحمر العربي السوري ولجنة الصليب الأحمر الدولية باصطحاب 315 1 حالة من داخل سوريا من حالات المصابين بأمراض خطيرة وبجروح من حلب الشرقية، وبإحالة تلك الحالات إلى 5 مستشفيات عامة بحلب الغربية من أجل متابعتها وتزويدها برعاية عالية المستوى.

وعملت 7 عيادات و12 فرقة متنقلة على إتاحة خدمات الرعاية الصحية الأولية (المتعلقة بطب الأطفال والباطنية والأمومة)، كما قدمت العيادات المتنقلة الدعم في مجال تقديم خدمات الصحة الإنجابية وخدمات التأهيل في مجال الصحة النفسية وإسداء المشورة النفسية والاجتماعية. وأسدى عاملو الرعاية الصحية المدعومون من المنظمة ما مجموعه 115 15 استشارة طبية في هذا الصدد.

وقدمت أيضاً المنظمة والشركاء في قطاع الصحة المساعدة إلى 11 مستشفى عاماً و23 عيادة معنية بالصحة الأولية في مدينة حلب، وأُرسِلت إمدادات طبية منقذة للأرواح بشأن 000 300 منهج للعلاج، إضافة إلى إرسال العتائد الصحية المعيارية شهرياً بواقع 60 عتيدة في المتوسط إلى الشركاء الصحيين في حلب والتي تلبي احتياجات 000 60 شخص من الرعاية الصحية الأولية.

أطفال فرحون من حلب الشرقية لكونهم مع بعضهم البعض عقب إجلائهم
أطفال فرحون من حلب الشرقية لكونهم مع بعضهم البعض عقب إجلائهم
المجموعة الصحية لسوريا

وتحدّث الدكتور بافيل أورسو ممثل المنظمة في تركيا قائلاً "لقد أحرزنا تقدماً ملحوظاً يجسّد مهنية فرقنا وتفانيها في العمل، رغم ما جابهنا من تحديات في المجالين العملي والسياسي لدى تخطيطنا لعمليات الإجلاء، وهو مثال آخر أيضاً على روح التضامن والالتزام المتميّز بقضية إنسانية".

وتحدثت السيدة إليزابيث هوف ممثلة المنظمة في سوريا قائلة "إننا نرى عمليات الإجلاء على أنها إنجازاً هاماً في سياق هذه الأزمة المأساوية، وقد تسنى تحقيقها بفضل التنسيق والتعاون القويين لجميع الشركاء على الأرض ممّن عملوا من دون كلل في ظل ظروف صعبة للغاية وقلة النوم والوقوف لأيام تحت الأمطار والثلوج لمساعدة سكان حلب الشرقية".