رعاية صحية أقرب إلى المنزل: إحداث تحوّل في الرعاية في جزر سليمان

آذار/ مارس 2017

تخيل أنك تنفق ميزانية طعامك الأسبوعية بأكملها لتستقل شاحنة في رحلة تستغرق عدة ساعات على طريق ترابي وعر يَعْلُوهُ الغُبارُ وتصطلي بلهيب حر المناطق المدارية للوصول إلى أقرب مستشفى. والآن، تخيل ذلك مع الحَمل. بل مع الحمل ست مرات.


منظمة الصحة العالمية/Y. Shimizu

هذه هي الرحلة التي قطعتها جوديث أوليفيا لتضع كل طفل من أطفالها، انطلاقا من قريتها النائية مالاتوها في جزر سليمان، وصولا إلى مستشفى الإحالة الوطني في العاصمة هونيارا.

فأقرب عيادة صحية إلى مالاتوها تقع على مسافة ست ساعات سيرا على الأقدام في بلدة بيلاها، ولكن السيدة أوليفيا تقول إنها تشعر أنها أكثر أمانا في أيدي الأطباء في هونيارا.

تقول السيدة أوليفيا: "إذا كان هناك طبيب في عيادة بيلاها، سأذهب إلى هناك لأضع أطفالي. فمن الأسهل أن أذهب إلى هناك. لكنني في الوقت الحالي لست واثقة من أنه بإمكان العاملين في مجال الصحة الإعتناء بي."

وتشكّل واقعات الولادة التي تقع في مستشفى الإحالة الوطني حوالي 30% من إجمالي واقعات الولادة في جزر سليمان، رغم أن سكان العاصمة لا يمثلون سوى 13% من سكان هذا الأرخبيل المترامي الأطراف. حيث يضم هذا المستشفى 126 طبيبا من إجمالي عدد الأطباء في هذا البلد البالغ 157 طبيبا.

السفر بالقارب

تعتبر السيدة أوليفيا إحدى المحظوظات في هذا البلد الذي يبلغ تعداده 620000 نسمة موزعون على أكثر من 600 جزيرة. فهي على الأقل تعيش على الجزيرة نفسها التي يقع فيها المستشفى. أمّا غيرها من النساء، والمرضى على اختلاف أنواعهم، فيسافرن لمدة أيام بالشاحنة والقارب من جزر نائية للحصول على الرعاية الطبية التي يمكن، بل ينبغي، تقديمها في أماكن أقرب إلى أماكن سكنهم.

تقول إليزابيث سنو، وهي ممرضة سريرية استشارية في قسم الطوارئ بمستشفى الإحالة الوطني: "رغم أن مسافة السفر إلى هونيارا طويلة حقا في حالة بعضهن، فإنهن سيقطعنها لعدم وجود أي أطباء في عياداتهن."

الوضع بُرْمَته على وشك أن يتغير.

هناك خطة جديدة واضحة وضعتها وزارة الصحة والخدمات الطبية، بدعم من منظمة الصحة العالمية، تحدد خريطة طريق لهذا البلد الواقع في المحيط الهادئ على درب تحقيق التغطية الصحية الشاملة وأهداف التنمية المستدامة، وذلك من خلال تحديد الخدمات التي يتعين تقديمها في كل مستوى من المستويات الأربعة المكونة للنظام الصحي، بدءا من العيادات الصحية الصغيرة في المناطق الريفية التي تقدم الرعاية الأوليّة الأساسية ومرورا بالعيادات الصحية على مستوى المناطق، التي تقدم خدمات جراحية بسيطة، والمستشفيات على مستوى المقاطعات، وصولا إلى مستشفى الإحالة الوطني.

ولم تشارك في وضع الخطة وزارة الصحة فحسب، بل شاركت أيضا وزارة الخدمات العامة التي تُعنى بالمسائل المتعلقة بالعمل، وكذلك وزارة تطوير البـِنْية التحتيّة.

يقول دكتور سيفيل هوسينوفا، ممثل منظمة الصحة العالمية في جزر سليمان: "تتطلع منظمة الصحة العالمية بحماس إلى المشاركة في خطة الإصلاح الجديدة كليا التي شرعت فيها وزارة الصحة ومن الممكن أن تغيّر قواعد العمل."

غياب ‫التنسيق‬‬‬

يأتي نحو نصف إجمالي الإنفاق على الصحة في جزر سليمان من الجهات المانحة. غير أن جزءا كبيرا من هذا التمويل يستهدف أمراض معيَّنة، بدلا من تعزيز النظام الصحي في البلد وتحسين الخدمات إجمالا. وعلاوة على ذلك يشيّد سياسيون محليون من ذوي النيات الطيبة، وكذلك الكنائس، مستشفيات دون تنسيق مع وزارة الصحة أو بقليل من هذا التنسيق، ثم يسعون إلى الحصول على دعم الوزارة في إدارتها.

النتيجة: خدمات مجزأة ومكاسب صحية لا ترقى إلى مستويات الاستثمار.

يقول الدكتور تينيث داليباندا، الأمين الدائم لوزارة الصحة والخدمات الطبية في جزر سليمان: "رغم كل هذه الزيادة في الاستثمارات في الآونة الأخيرة، لم تتحقق مكاسب صحية يُعتد بها نسبياً". ويمضى قائلا: "في السنوات العديدة الأخيرة، بلغت التغطية بالتمنيع ضدّ الحصبة نحو 75%، ولم نتمكن مطلقا من تخطي حاجز الـ 85% رغم زيادة الاستثمارات. وهذا ما أقنعنا بضرورة تغيير ما نفعله."

وتحدد الخطة التي أُطلق عليها اسم "سياسة تحديد الأدوار" الموارد البشرية والبـِنْية التحتية والمعدات اللازمة في كل مستوى من المستويات.

وأردف الدكتور تينيث قائلا: "تُجري وزارة الصحة إصلاحات من شأنها أن تُمكِننا من تنفيذ السياسة الجديدة". "ويلزم أن تتولى المقاطعات مسؤولية تقديم الخدمات الصحية، في حين تُعنى الوزارة بالسياسة وتوفير الموارد وتصريف الشؤون."

مزيد من الأطباء

من المقرر، وفقا للخطة، أن تدخل تحسينات على 9 مستشفيات على مستوى المقاطعات و34 مركزا صحيا على مستوى المناطق، في حين أنه من المقرر إغلاق 202 مركزا من مراكز المساعدة المقدّمة من ممرضات أو تحسينها لتصبح مراكز صحية ريفية، من أجل ضمان استخدام الموارد استخداما أكثر كفاءة، وصولا إلى تقديم خدمات صحية في مواقع استراتيجية.

وتشمل الخطة أيضا توظيف أطباء في المراكز الصحية على مستوى المناطق - التي كانت الممرضات تتولى تسييرها من قبل - مما يضمن إتاحة الخدمات الصحية التي يحتاج إليها المواطنون في مناطق أقرب لأماكن سكنهم.

وتلبيةً لهذه الحاجة، يجرى حاليا تدريب 100 من خريجي الكليات الطبية في كوبا، وقد عاد نصفهم تقريبا إلى جزر سليمان بالفعل.

ومن المقرر أن يبدأ تنفيذ الخطة، بعد وضعها في صيغتها النهائية، في شهر يونيو/حزيران من العام الحالي. لكن بعض التغيرات تجري بالفعل. فقد بدأت بالفعل التحسينات في البـِنْية التحتية، وأُعِدت قوائم المعدات والموارد البشرية المطلوبة.

لا شك أن كل هذا يلزمه أموالا.

من شأن منحة مقدمة من جمهورية كوريا لتحسين البـِنْية التحتية في إحدى المقاطعات أن تساعد في تحديد مقدار الاستثمار المطلوب لتنفيذ الخطة كاملة في شتى أنحاء الأرخبيل.

ثلاثة أضعاف عبء الأمراض

تواجه جزر سليمان "ثلاثة أضعاف عبء" الأمراض: فهناك الأمراض السارية، مثل حمى الضنك، تصاحبها معدلات متزايدة في الأمراض غير السارية، إضافةً إلى آثار تغير المناخ الذي يؤدي إلى حدوث فيضانات وحالات جفاف متكررة.

ويقول دكتور جريغ جيليني، وكيل وزارة الصحة الذي يتولى قيادة فرقة العمل التي وضعت الخطة: إذا كُللت الخطة بالنجاح، فيمكن أن تتحول إلى مخطط أولي لبعض البلدان المجاورة لجزر سليمان في المحيط الهادئ.

ويضيف قائلا: "ثمة بلدان أخرى راغبة في الاطلاع على ما نؤديه، مثل فانواتو، التي تعاني من مشاكل مماثلة إلى حد كبير". "إنها تتطلع بحماس كبير إلى السير على الدرب نفسه."

وتساعد منظمة الصحة العالمية بلدان ومناطق أخرى في الاستفادة من نموذج جزر سليمان. ويقدم موقع إلكتروني أُطلِق العام في الماضي حول "الرعاية الصحية المتكاملة التي محورها الإنسان" مصادر ونماذج واقعية لعمليات إصلاح الخدمات الصحية التي محورها الإنسان.

ويتيح الموقع لوزارات الصحة والجهات التي تقدم الرعاية الصحية وراسمي السياسات وغيرها من الأطراف المعنية الحصول على أحدث المعارف حول الخدمات الصحية المتكاملة التي محورها الإنسان، وبناء شبكة عالمية تضم الأشخاص العاملين من أجل الهدف نفسه - وضمان أن أشخاصا مثل جوديث أوليفيا سيضعن مواليدهن في مرافق صحية أقرب إلى أماكن سكنهن.

ولحسن الحظ، صحة الأم والطفل على ما يرام. وتقول السيدة أوليفيا ضاحكةً: "بعدما وضعتُ ستة أطفال، أستطيع أن أنجب بسرعة كبيرة!" وقريبا جدا، ستسافر هي وزوجها إلى قريتهما الكائنة على التلال لتقديم أحدث أفراد الأسرة إلى الأطفال الخمسة الأكبر سنا.