مركز وسائل الإعلام

يجب أن توضع الصحة على رأس أولويات مخطِّطي المُدن

الدكتورة ماريا نيرا، مديرة إدارة الصحة العمومية والمحددات البيئية والاجتماعية للصحة بمنظمة الصحة العالمية

التعليق
21 آذار/مارس 2018

في الوقت الحالي، يعيش أكثر من نصف سكان العالم في مدن. وبحلول عام 2050، من المتوقع أن تزيد هذه النسبة لتبلغ الثُّلُثين.

ويعيش الناس في المدن ليكونوا على مقربة من فرص العمل والتعليم وخدماتهما وأماكن توافرهما، ويمكن أن تكون المدن أماكن رائعة للتفاعل الاجتماعي والاستفادة من الأنشطة الثقافية.

وعندما تُشيَّد المدن استناداً إلى مبادئ التخطيط الجيد، يمكن أيضاً أن تكون مجتمعات تعزِّز الصحة والعافية. فَكِّر في المدن أو الأحياء التي استمتعتَ بالعيش فيها أو زيارتها أكثر من غيرها - وكيف كانت تبدو هذه الأماكن أو كيف شعرتَ فيها أو حتى كيف أنك شممت فيها "رائحة".

من المرجح أن تكون هذه المدن مليئة بالناس وحافلة بمظاهر الحياة، وذات أرصفة واسعة وممرات للدراجات من أجل تسهيل الحركة وتأمينها، وتتمتع بمنظومة نقل عام سهلة الاستخدام والكثير من الحدائق والمساحات الخضراء، حيث يمكن للأشخاص أياً كانت أعمارهم أن يمارسوا الرياضة.

وللأسف، يعاني العديد من المدن السريعة النمو حالياً من كثافة حركة المرور، والأحياء الفقيرة المكتظة بالسكان، والكتل الخرسانية المرتفعة غير الجذابة التي تؤدي إلى الاغتراب الاجتماعي والضوضاء والعنف. وكل هذا له تأثير سلبي على صحتنا وعافيتنا النفسيتين والبدنيتين.

وأحد أفضل "المؤشرات" الشاملة للمدن الصحية أو غير الصحية هو نوعية الهواء. ذلك أن مستويات تلوث الهواء تكون منخفضة عادةً في المدن الجيدة التخطيط التي تتمتع بمنظومات نقل جيدة وشوارع ملائمة للسير ومساحات خضراء وفيرة لتنقية الهواء. وترتفع مستويات تلوث الهواء في المناطق الحضرية التي تعطي الأولوية للنقل البري على المشاة وراكبي الدراجات، وتسمح بالانتشار العشوائي للكتل الأسفلتية والخرسانية الرمادية الضخمة غير المتناسقة.

وأكثر من 80٪ من مجموع عدد المدن في جميع أنحاء العالم يتجاوز حدود نوعية الهواء التي حددتها منظمة الصحة العالمية. وأكثر من نصف مجموع المدن التي تراقب تلوث الهواء يُبلِّغ عن أن مستويات نوعية الهواء بها تتخطى حدود المنظمة بمقدار ثلاث مرات ونصف أو أكثر.

وتلوُّث الهواء قاتل غادر. ففي كل عام، يُتوفَّى 3 ملايين شخص وفاة مبكرة من جراء تلوث الهواء الخارجي الذي يبلغ أعلى مستوياته في المدن الكبرى في آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية. وتُعزى معظم هذه الوفيات إلى النوبات القلبية والسكتات الدماغية وأمراض الجهاز التنفسي وأمراض سرطان الرئة - وهي أيضاً من بين أهم الأمراض القاتلة في العالم في الوقت الحالي.

وعندما تخترق جسيمات التلوث البالغة الصغر غير المرئية بعمق رئة الناس ومجاري دمائهم، تتراكم هذه الملوِّثات السامة في الجسم وتؤدي في نهاية المطاف إلى الأمراض القلبية الوعائية والسرطان.

وتشير تقديرات المنظمة إلى أن تلوث الهواء يتسبب في وفاة حالة واحدة من كل 3 حالات بالسكتة الدماغية والأمراض التنفسية المزمنة وسرطان الرئة، علاوةً على وفاة شخص واحد من كل 4 أشخاص بسبب النوبات القلبية. ويشكل الأوزون الموجود عند مستوى سطح الأرض، الناتج عن تفاعل العديد من الملوِّثات المختلفة في ضوء الشمس، أيضاً أحد مسبِّبات الربو والأمراض التنفسية المزمنة.

وتلوُّث الهواء أحد أخطر التهديدات الصحية التي نواجهها في الوقت الحالي. ويتحتم أن تكون الصحة والعافية على رأس أولوياتنا في التخطيط الحضري. وما لم نتخذ إجراءات الآن، فسيخنق تلوث الهواء مدننا، بل سيزيد من فرصة تحوُّلها إلى أماكن قاتلة لمن يعيشون فيها.

وبما أن معظم مصادر تلوث الهواء الخارجي خارجة عن سيطرة الأفراد، فيجب أن نناشد رؤساء مدننا وغيرهم من الزعماء المحليين أن يدفعوا في اتجاه التغيير وأن يقطعوا التزاماً بمعالجة تلوث الهواء معالجةً مباشرةً.

ويلزم أن ترسم الحكومات المحلية والوطنية سياسات تدعم تحقيق مزيد من النظافة في النقل والإسكان الموفِّر للطاقة وتوليد الطاقة والصناعة وإدارة النفايات البلدية، وأن تستثمر ذلك.

لكن يمكننا أيضاً قيادة دفة التغيير على مستوى المجتمع المحلي ومستوى الفرد. حيث يمكن أن يشمل ذلك الالتزام بركوب الدرجات أو استخدام وسائل النقل العام للذهاب إلى العمل، عندما تتوافر الطرق المأمونة؛ أو إعادة تدوير النفايات أو السماد المُخلَّط؛ أو الحفاظ على المياه والطاقة في المنزل والمكتب. ويمكن لاستراتيجيات مثل مبادرات "حافلة السير - pedibus" أن تشجع الأطفال على السير إلى المدرسة بأمان، ويمكن أن يوفر إنشاء الحدائق الحضرية كلاً من الأطعمة الصحية وأماكن التفاعل الاجتماعي والنشاط البدني.

والعديد من هذه التدابير الرامية إلى تحسين صحة البيئة تساعد الناس أيضاً على أن يكونوا أكثر نشاطاً بدنياً وأن يتناولوا طعامهم بنظام غذائي صحي، وهو ما من شأنه أن يقلل من السمنة والأمراض مثل السكري وأمراض القلب.

ونحن نعلم أن في وسع المدن أن تحرز تقدماً كبيراً عندما تتخذ إجراءات للحد من تلوث الهواء. وقد خفض ما يقرب من نصف مجموع عدد المدن التي ترصد تلوث الهواء في البلدان المرتفعة الدخل مستويات تلوث الهواء بها بنسبة 5٪ بين عامي 2008 و2013.

ولكن يجب أن نمضي بوتيرة أسرع وأكثر إلحاحاً، لاسيما في البلدان المنخفضة الدخل والمتوسطة الدخل، حيث لا يُعَد التقدم المحرز في مجال تلوث الهواء مشجِّعاً بما يكفي، بل إن نوعية الهواء آخِذة في التردي.

ونحن بحاجة إلى التأكد من أن الناس يعرفون مستويات تلوث الهواء في مدنهم، وأنهم يفهمون آثاره المميتة على صحتهم. وهذه هي أكثر الطرق فعاليةً للحثِّ على التحرك.

وقد تعاونت المنظمة مع برنامج الأمم المتحدة للبيئة والتحالف المعنيّ بالمناخ والهواء النقي بشأن حملة تَنفّس الحياة (BreatheLife) لإطلاع المواطنين على هذه المعلومات وحشد طاقات المدن للعمل معاً لتحقيق مستويات مأمونة لجودة الهواء بحلول عام 2030. وقد انضمت 40 مدينة تقريباً، منها لندن وأوسلو وسانتياغو وسيئول وسنغافورة وسان أنطونيو، إلى المبادرة، وهي تعمل باستمرار على توسيع هذه الشبكة.

وفي تشرين الأول/أكتوبر من هذا العام، تستضيف منظمة الصحة العالمية في جنيف أول مؤتمر عالمي عن تلوث الهواء والصحة. وسنجمع فيه وزراء من الحكومات ورؤساء مدن ومهنيين صحيين وأكاديميين وناشطين وباحثين لتبادل المعرفة وحشد التحركات من أجل تحسين نظافة الهواء وتعزيز الصحة على مستوى العالم.

ونحن جميعاً بحاجة إلى العمل معاً لجعْل مدننا أماكنَ عيشٍ أوفرَ صحةً - وأسعد حالاً كذلك.


نشرتْها في الأصل مؤسسة المدن الجديدة (NewCities)، وهي منظمة دولية غير ربحية مكرَّسة لجعل المدن أكثر شمولاً للجميع ومتصلة الأجزاء وصحية ومفعمة بالحيوية.

روابط ذات صلة